قراءة في مسودة اتفاق القاهرة
2008-10-28
بقلم : نضال بيطاري *
أعلن الرئيس الفلسطيني محمود عباس عن مبادرته للحوار الوطني الشامل (5- حزيران - 2008) في محاولة لإنهاء حالة الانقسام الفلسطيني, وافق الأخوة المصريون على رعاية الحوار إثر طلب الرئيس عباس ذلك من الرئيس المصري حسني مبارك.
و بناء عليه بدأت مصر الحوارات الثنائية مع الفصائل الفلسطينية يوم الاثنين 25- آب – 2008 , و اختتمتها مع الأخوة في حماس في يوم الأربعاء 8- تشرين الأول - 2008 . ثم تقدم الأخوة المصريون بمسودة للاتفاق المقترح للحوار الوطني الشامل , وتم توزيع النص على الأطراف الفلسطينية لإبداء الرأي و التحفظات , تمهيدا لعقد الحوار في التاسع من الشهر المقبل (تشرين الثاني 2008) .
تتألف الورقة من خمس فقرات, في مجملها خمس عشر بندا. تحدد الفقرة الأولى مبادئ عامة , و تتناول الثانية إنهاء حالة الانقسام من خلال حل قضايا الحكومة و الأجهزة الأمنية و الانتخابات و منظمة التحرير الفلسطينية. بينما ترسم الفقرة الثالثة ملامح الالتزام المطلوبة لإنجاز ما يتم الاتفاق عليه , وحصرت الفقرة الرابعة المفاوضات السياسية بيد منظمة التحرير و رئيس السلطة الفلسطينية. و تختم الفقرة الخامسة المقترح بضرورة التحلي بحسن النوايا لإنجاح الحوار.
أ- المقترح في الجوهر نسخة مكررة معدلة :
حددت الورقة المقترحة في المبادئ العامة في البند السابع مرجعيات يعتمد عليها الحوار هي : اتفاق القاهرة 2005 , وثيقة الوفاق الوطني أيار 2006 , اتفاق مكة شباط 2007 , مبادرة الرئيس عباس للحوار الشامل حزيران 2008 , قرارات القمة العربية المتعلقة بإنهاء حالة الانقسام .
إذا ما قمنا بمراجعة لنصوص المرجعيات الآنفة الذكر , لن نجد صعوبة في اكتشاف أن ما ركز عليه المقترح جوهريا يتقاطع مع المرتكزات الرئيسية للاتفاقات المرجعية السابقة , و التي تخلص إلى تشكيل حكومة جديدة (وثيقة الوفاق بند6, اتفاق مكة الفقرة الثانية,المقترح المصري الفقرة الثانية البند 8) ونتيجة للوعي بأن جوهر الأزمة هو النظام السياسي الفلسطيني, فقد ركزت الاتفاقات السابقة على تطوير وتفعيل منظمة التحرير الفلسطينية باعتبارها الممثل الشرعي و الوحيد للشعب الفلسطيني (اتفاق القاهرة 2005 البند5,اتفاق مكة الفقرة الثانية,وثيقة الوفاق بند2,المقترح المصري الفقرة الثانية البند11), و على حصر المفاوضات السياسية بيد المنظمة و رئيس السلطة الفلسطينية (وثيقة الوفاق الوطني بند7,المقترح المصري الفقرة الرابعة البند15). بالتالي تكون الورقة المقترحة متقاطعة بأحسن الأحوال مع الاتفاقات السابقة, ما يجعل المقترح نسخة مكررة عن الاتفاقات السابقة.
ب- الجديد في المقترح المصري:
ما استجد في مسودة الاتفاق فرضته إشكالية مستجدة على الساحة الفلسطينية لم تكن حاضرة في الاتفاقات السابقة. إذ أعلنت حماس مؤخرا على ألسن بعض قيادييها أن ولاية الرئيس عباس تنتهي في 9-1-2008, و لن تعترف بشرعية ولايته بعد ذلك التاريخ, و سيتم تعيين السيد أحمد بحر نائب رئيس المجلس التشريعي رئيسا للسلطة لمدة 60 يوما يتم خلالها التحضير لانتخابات الرئاسة , وعقدت لذلك الهدف جلسة للمجلس التشريعي (لم يكتمل فيه النصاب للاجتماع) و اتخذ المجلس قرارا بعدم الاعتراف بشرعية رئاسة عباس بعد 9- ا – 2008.
و هو ما دفع السلطة الفلسطينية إلى إسقاط تهديدات حماس قانونيا , إذ تنص المادة الثانية من قانون الانتخابات على إجراء انتخابات رئاسية و تشريعية متزامنة , و أن القرار الذي اتخذه المجلس غير قانوني لعدم اكتمال النصاب كون قوانين المجلس التشريعي لا تجيز التصويت بالإنابة.
و بذلك بدأ الطرفان تحججهما بالقانون للتغطية على أزمة الصراع على السلطة الواقعة تحت الاحتلال و في ظل انقسام فلسطيني غير مسبوق , لذا فرضت هذه الأزمة نفسها بقوة لتكون حاضرة في المقترح المصري الذي ورد في فقرته الثانية البند العاشر ما نصه : " إجراء انتخابات رئاسية و تشريعية متزامنة في توقيت متفق عليه , و مراجعة قانون الانتخابات وفقا لما تقتضيه مصلحة الوطن ".
ج- ما غاب في المقترح المصري :
ما لم يأت المقترح على ذكره في بنوده , هو ما غاب في الاتفاقات السابقة , و كان غيابه السبب الأبرز في فشلها كلها.الاتفاقات كلها, منفردة و مجتمعة و من ضمنها المقترح المصري الأخير تشكل إطارا و مدخلا نظريا ملائما لحل الأزمة الفلسطينية الحالية , بل لحل الأزمات المتراكمة في القضية الفلسطينية بالإجمال .إلا أن هذه الاتفاقات تظل مبتورة ما لم تتضمن آليات التطبيق و نهجه و أدواته و ما لم تحمل صيغة الإلزام وضوابطه و صيغ العقاب الواجب اتخاذها بحق من يتسبب في إفشالها. وسيبقى مصير الاتفاقات التي تحمل الطابع نفسه, الفشل المستمر ما لم يتضمن الاتفاق ذاته الإطار النظري و آليات التطبيق في ورقة واحدة تتعاهد عليها الأطراف الفلسطينية كافة.
د- تحفظات و خطوات إجرائية :
أولا- اتفاق مكة كمرجعية :
يشكل حضور اتفاق مكة كمرجعية للحوار خللا في أسس التوافق للسببين التاليين :
1- إن اتفق مكة هو اتفاق بين حركتي فتح و حماس لم تشارك فيه الفصائل الفلسطينية الأخرى , بالتالي فهو لم يحظ بالإجماع الوطني عليه .
2- عزز اتفاق مكة مبدأ المحاصصة , و هذا يتناقض مع ما ورد في الفقرة الأولى البند الخامس في المقترح المصري , حيث دعا إلى " المشاركة السياسية من الجميع بعيدا عن مبدأ المحاصصة "
و بالتالي يصبح إلغاء اتفاق مكة كمرجعية ضمانة لنجاح الحوار.
ثانيا – الانتخابات الرئاسية و التشريعية :
لا يجب على المتحاورين الخروج من قاعة الحوار قبل تحديد موعد لإجراء انتخابات تشريعية و رئاسية متزامنة, ما يشكل ضمانة لعدم تفجر أزمة شرعية الرئاسة مجددا كما هددت حركة حماس على ألسن بعض قيادييها .
و عليه فإن اللجان شكلا و مضمونا و نهجا يجب أن يتم الاتفاق على تشكيلها و تحديد مهامها و مرجعياتها,يتم الاتفاق على ذلك أثناء الحوار لا في مرحلة ما بعد الحوار .
و إلا فإن الحوار سيفضي إلى اتفاق على أن يتفق المتحاورون بعد الحوار , بالتالي فإننا أمام إعادة إنتاج الأخطاء التي تلت الاتفاقات السابقة.
إن أول ما يتوجب على المتحاورين فعله هو دخول الحوارات بنوايا حسنة , و إرادات صادقة , انطلاقا من موقع المسؤولية التي يحملها المتحاورون أمام الله أولا ثم أمام التاريخ .
يحتاج الوصول إلى اتفاق وطني تنازلات باهظة من كافة الأطراف إلا أنه أيا كان حجمها فإنها بالتأكيد لن تكون أثمن و أغلى من قطرة دم أريقت لأجل فلسطين و القدس و العودة .
يحتاج الاتفاق إلى التنازل عن الأنانية الحزبية التي أيا كانت مبرراتها فإنها تقف على الضد مع المصلحة الوطنية العليا .
هذا ما يتوجب توافره و إلا فإن الانتفاضة الثالثة تقرع الأبواب و هي إن انفجرت في وجه الاحتلال مرة ثالثة , إلا أن الانتفاضة الرابعة ستنفجر في وجه القيادات المتحاورة لا محالة إن هي استمرت في سياسة تخييب آمال شعبنا لصالح مصالحها الشخصية و الحزبية .
- نضال عبد العزيز بيطاري
طالب ماجستير في علم الاجتماع السياسي جامعة دمشق