قتلوه قتلهم الله
بقلم / د. ممدوح المنير
ما الجريمة التى فعلها هذا البطل حتى يعذبوه بكل هذه الوحشية حتى الموت ؟ ! ،( أتقتلون رجلا أن يقول ربىّ الله ) ، عندما يحاول المرء إستيعاب ما حدث يشعر بغصة فى حلقة من تجليات العار الذى بتنا نعيش فيه .
كل جريمة هذا البطل أنه من حماس و أنه شقيق و المرافق الشخصى للدكتور/ سامى أبو زهرى المتحدث باسم الحركة .
كل جريمته أنه رجل فى زمن إختفت فيه معانى الرجولة .
كل جريمته أنه يدافع عن الحق و العدل و الحرية لوطنه و أمته .
لم يعرض على قضاء عادل أو حتى ظالم !! ، لم تحقق معه نيابة سواء مسيسة أو محايدة !! ، لكن حسبه الآن أنه فى حضرة قاضى القضاة فى الدنيا و الآخرة ، و الذى سيقتص له من قاتليه و كل من حرض على قتله أو تعذيبه .
إن اغتيال الشهيد يوسف أبو زهرى و تعذيبه يسلط الضوء على عدة أمور بالغة الأهمية :
أولا : إن النظام المصرى الحالى أصبح يتعامل مع ملف التعذيب بإعتباره جزء من شخصية النظام و ليس فعل إستثنائى تقضتيه الظروف ، فجرائم التعذيب أصبحت حادث شبه يومى فى مصر و لو أتيح لكل من وقع عليه هذا الجرم أن يتحدث لوجدنا هذا اللون المفزع من الجرائم يتكرر كل ساعة و ليس كل يوم فحسب .
ثانيا : إذا كان هذا ما حدث لشقيق المتحدث ( الإعلامى ) لحركة حماس ، فما بالكم بما يحدث لمن ليس بقريب أو بصاحب أو تابع لجهة تستطيع أن تخاطب الرأى العام و تفضح هذه الممارسات ؟! .
ثالثا : ما حدث كذلك يجعل من الطرف المصرى فى لقاءات المصالحة الآن التى تجرى فى القاهرة طرفا غير محايد بل خصم فى أقل الأحوال .
رابعا : التفاصيل المنشورة عن وقائع التعذيب تسترعى الإنتباه حيث يستشعر المرأ أن هدف التحقيقات التى جرت هو التنكيل و القتل و ليس إستنطاق ( المتهم ) بأساليب غير مشروعة للحصول على معلومات ، فشق اللسان و تفريغ الأعضاء الداخلية و الكدمات التى يحفل بها جسده ، و آثار الإصابات البالغة ، و عدم العمل على وقف النزيف الداخلى الذى حدث له جراء التعذيب حتى فاضت روحه كل ذلك يدعوا إلى تساؤل كبير لماذا كل هذا ؟!.
خامسا : حين يقارن المرأ ما حدث مع الشهيد يوسف أبوزهرى و ما حدث مع الجاسوس الإسرائيلى عزام الذى أفرج عنه بعد نصف المدة لـ ( حسن السير و السلوك !! ) و حياة الفندقة التى كان يحياها فى سجنه ، يتأكد المرء أن الزمن الذى نحيا فيه هو زمن العار بكل تاكيد .
سادسا : يلفت إنتباهك أيضا أنه حين نشر هذا الخبر الكارثى ، فإن أخواته سرعان ما ظهرت ، حيث إكتشفنا أن الشهيد ليس الحالة الوحيدة و أن هناك العديد من المعتقلين الفلسطينيين فى السجون المصرية و أغلبهم لم يعرض على القضاء و العديد منهم تعرض للتعذيب كما أشار لذلك البيان الصادر بإسم أهالى المعتقلين الفلسطيين فى السجون المصرية و كأنه كتب على هذا الشعب أن يضام على يد أعدائه و إخوانه ( الشقيقة الكبرى مصر !! ).
سابعا : تواترت الأنباء أن كثير من جلسات التحقيق ركزت على ثلاث أمور هى مكان الجندى الأسير جلعاد شاليط و أماكن إختباء قادة المقاومة و كيفية الحصول على السلاح !! ، طبعا أعتقد أن الثلاثة أمور هذه تطرح تساؤلا كبيرا يدور فى الذهن لمصلحة من كانت تتم جلسات التحقيق و تحت أى بند من الوطنية و الأخلاق و الضمير و القانون يمكن أن توضع هذه الأمور ؟!!.
ثامنا : اللافت كذلك أن حركة حماس رغم كل ما حدث و يحدث لقادتها داخل سجون عباس فى رام الله و سجون مصر إلا أنها كانت ترتفع عاليا فوق آلامها و جراحاتها من أجل المصلحة العامة للشعب الفلسطينى ، فاستمرت جلسات المصالحة فى القاهرة ، واستمرت الإشادة بالدور المصرى !! ، الذى يرعى المصالحة من جانب و يعذبهم حتى الموت من جانب آخر !! و يحاصرهم من جانب ثالث !! .
تاسعا : أين دور منظمات حقوق الإنسان المصرية و الإقليمية و القوى السياسية المصرية و كافة مؤسسات المجتمع المدنى مما يحدث للمعتقلين الفلسطينيين فى السجون المصرية ؟ !.
عاشرا : هل هذه الجرائم تتم بعلم القيادة السياسية المصرية أم لا ؟ ، إذا كانت بعلمهم فهى جريمة تستحق المسائلة و إن كانت بدون علمهم فالجريمة أكبر و أشنع .
إن ما حدث فى حق الشهيد لا يرضاه دين أو عقل أو ضمير أو قانون ، إنها شريعة الغاب حين تسود ، و القلوب حين تموت ، و العدل حين يغيب .
ذكرنى ما حدث بقصة الصحابى المجاهد ( الجريح ) حينما أفتاه أحدهم بألا طريق أمامه للتطهر سوى الاغتسال ، فاغتسل فمات .. فقال - صلى الله عليه وسلم - حديثه الخالد وعبارته المروعة : ” قتلوه قتلهم الله .. ألا سألوا إذ لم يعلموا ، فإنما شفاء العي ( الجاهل ) السؤال ” ، لا حظ معى مدى شدة دعاء الرسول عليهم ، لاحظ كذلك أنهم صحابة لم يشفع لهم كونهم صحابة من أن يدعوا عليهم الرسول بهذا الدعاء ، لاحظ أيضا أن القتل تم بالخطأ و بحسن نية ، لاحظ فى النهاية أن الرسول دعا على الجميع الذى افتى بالخطأ و الذى وافقه ضمنا و الذى سكت !! ، فإذا كان هذا حالهم ، فما بالكم بمن يعذب مجاهد و يفتك به حتى الموت ماذا سيقول عنه الرسول صلى الله عليه و سلم ؟!.
المصدر: نافذة مصر