عبدالناصر وعامر... ولعبة الديمقراطية
كفر الشيخ اون لاين | خاص
في عام 1962 أصدر عبد الناصر قرارا بتشكيل مجلس رئاسي كان الهدف منه الحد من نفوذ عبدالحكيم عامر وتقليص سلطاته،وقد تشكل المجلس برئاسة عبد الناصر وعضوية 11 عضوا تسعة من العسكريين واثنان من المدنيين،وسرعان ما اتضح الهدف من تشكيله بعدما أعد عبد الناصرمشروع قرار يسلب من عبد الحكيم عامر سلطة تعيين قادة الوحدات في القوات المسلحة ويمنح هذه السلطة للمجلس الرئاسى،وقد تعمد عبد الناصر عدم حضور الجلسة التى ستناقش هذا القرار،وتولى عبداللطيف البغدادي رئاسة الجلسة بحكم أقدميته،وقد اعترض عبدالحكيم عامر على هذا القرار وطالب بتأجيل نظر مشروع القرار لحين حضور عبد الناصر،ولكن البغدادى أصر على مناقشة المشروع،وتم التصويت على مبدأ مناقشته وجاءت النتيجة بموافقة ستة أعضاء ومعارضة خمسة،وتكررت نفس النتيجة مرة ثانية عند مناقشة الموافقة على مشروع القرار مما آثار غضب عبدالحكيم عامر الذى انسحب من الجلسة وقدم استقالته وتوجه الى مرسى مطروح،وبعيدا عن التفاصيل التاريخية أتوقف عند مضمون الاستقالة التى قدمها عبدالحكيم عامر لماتتضمنه من دلالة
فقد تذكر عبد الحكيم بعد عشر سنوات من ثورة يوليو الديمقراطية والحرية،وتقمص دور المنظر وهو يرتدى ثوب الناصح الأمين فطالب عبد الناصر أن يقوم التنظيم السياسى القادم - وهو يعنى هنا الاتحاد الاشتراكى الذى تأسس فى نفس العام (1962) كبديل للتنظيم السابق الاتحاد القومى - على الانتخابات فى كافة مراحلة " أعتقد أن التنظيم السياسي القادم كى يكون مثمرا أو ناجحا يجب أن يبنى على الانتخابات من القاعدة إلى القمة,بما فى ذلك اللجنة العليا للاتحاد,وبما فى ذلك اللجنة التنفيذية العليا,وإن أتت اللجنة العليا بدون انتخابات حقيقية فسيكون ذلك نقطة ضعف فى التنظيم الديمقراطي للاتحاد,وإن ما يجب أن نسعى إليه هو تدعيم الروح الديمقراطية بعد عشر سنوات من الثورة,والتى لا أتصور بعد كل هذه الفترة وبعد أن صفى الإقطاع,ورأس المال المستغل,ومنحتك الجماهير ثقتها دون تحفظ,أن يكون هناك ما تخشاه من ممارسة الديمقراطية بالروح التى كتب بها الميثاق. وخصوصا أن الملكيات الفردية الباقية,والقطاع الخاص,لا يشكلان أى خطر على نظام الدولة . كما أنه ليس هناك ما يمنع إطلاقا انسجام هذه القطاعات مع النظام الاشتراكي."
ولاينسى عامر فى ظل الروح الديمقراطية التى تلبسته فجأة،وبدون مقدمات التأكيد على حرية الصحافة،وتوفير الضمانات للعاملين بها "كذلك الأمر بالنسبة إلى الصحافة,فيجب أن تكون هناك ضمانات تمكن الناس من كتابة آرائهم وكذلك يمكن رؤساء التحرير,والمحررون من الكتابة دون خوف أو تحفظ . وقد تكون هذه الضمانات عن طريق اللجنة التنفيذية العليا,أو نظام آخر يكفل عدم الخوف من الكتابة,وتوهم الكاتب أنه سيطارد أو يقطع رزقه ,وخصوصا أن الآراء التي ستعالج لن تخرج عن مشاكل الناس,والمسائل التنفيذية,وبعض المناقشات فى التطبيق الاشتراكي,وفى هذا فائدة كبيرة لأنه سيعبر عن الآراء التى تدور فى خلد بعض المواطنين"
ثم يعرج للحديث عن تصوره لشكل الحكومة،ويؤكد على أهمية الاستفادة من التجارب العالمية وعلى مسؤلية الحكومة سواء رئاسية أوبرلمانية أمام البرلمان "دعنى وأن أودعك أن أحدثك أيضا عن الحكومة ورأيى فيها,قبل كل شئ,لا يمكن أن تسير أى حكومة فى طريقها الطبيعي,نحو الحكم السليم, إذا كان الحكم فى حد ذاته ممسوخا ومشوها,فيجب أولا أن نستفيد بتجارب العالم,وحكوماته التى عاشت مئات السنين مستقرة منتظمة,دون حاجة للتغييرات الشاملة كل فترة قصيرة من الزمن,وفى رأيي أن النظام الطبيعي للحكم يكون كالآتى :
إما حكومة رئاسية ويرأس الوزارة فيها رئيس الجمهورية،ويكون مسئولا أمام البرلمان مسئولية جماعية مع وزرائه،وبدون الدخول فى التفاصيل يمكن أن يكون هناك نائب للرئيس . وإما حكومة برلمانية يرأسها رئيس الجمهورية ،ويكون رئيس الاتحاد الاشتراكى هو رئيس الوزراء. ولا أريد أن أدخل فى التفاصيل ولكن تكون أيضا مسئولية الوزارة جماعية أمام البرلمان كما ورد فى الميثاق"
ثم يتوجه الرجل بالنصح لعبد الناصر بالتواصل المباشر مع الجماهير مؤكدا على أهميته،ومعددا إيجابياته "ودعنى أيضا قبل أن أودعك,أن أقول لك إن اختلاطك الشخصى بالناس ضرورى فإنه يعطى الثقة المتبادلة ويعطى إحساسات متبادلة ويعطى أيضا أفكارا متبادلة وهذا هو الطريق الطبيعي للارتباط بأفراد شعبنا قيادات المستقبل .
أما انعزالك التام فإنه سيجعل صور الناس عندك أسطر على ورق,أوأسماء مجردة لا معني لها وهذا فى رأيى لا يمثل الواقع,فالعقل والعاطفة من مكونات الإنسان,ولا تستطيع أن تفصل بينهما كلمة , لكن يجب الجمع بينهما فى الطريق الصحيح,وهذا لا يكون إلا بالاتصال الشخصى"
ومن ايجابيات الاتصال المباشر الذى يشير اليها عامر ظهور شخصيات قيادية تتمتع بالشجاعة فى التعبيرعن آرائها بعيدا عن النفاق
" وهذا أيضا هو الطريق الوحيد لإظهار شخصيات للقيادة تعتز برأيها دون خوف,ولكنها فى الوقت نفسه تثق بقيادتها وتحترمها,وهذا النوع من الناس أنت فى حاجة إليه،بل وطننا كله محتاج إليه،نوع جديد لم يتمكن منه حب المنصب ليسكت عن الخطأ,ولم تأخذ الأضواء نور بصره فيضحى بكل القيم ليعيش فى هذا الأضواء "
وإذا توقفنا عند هذه الرسالة،وبصرف النظر عن أنها لم تصدر عن قناعة حقيقية بالديمقراطية لدى عامر سواء قبل كتابتها أوبعد كتابتها حتى نحره أوانتحاره،وأنها لم تكن سوى ورقة للمتاجرة والمناورة،وملاعبة عبد الناصر بها إلا أنها تكشف بوضوح إدراك القادة الديكتاتوريين لأهمية الحرية والديمقراطية بعيدا عن التنظيرات والمبررات التى يروجنوها لتسويق استبدداهم،والتى مازال دروايشهم وكهنتهم يروجون لها من بعدهم،ومن المؤكد أن عبد الناصر كان أكثر إدراكا لأهمية الديمقراطية والحرية من عامر بحكم كونه أكثر ثقافة واطلاعا،وبحكم صداقتة الوطيدة بعامر- أيضا - فقد كان يدرك لعبة الديمقراطية التي لجأ اليها عامرمن باب ""احنا دافنينه سوا" والذى حرص على توزيع استقالته على أوسع نطاق لتحقق الهدف المنشود
وقد أدرك عبد الناصرأن الوضع ليس فى صالحه بعد استقالة عدد من قادة الجيش،وتذمر العديد منهم ولم يكن أمامه من سبيل الا التراجع،وابتلاع قرار المجلس الرئاسى،وعودة عامر مظفرا لتتسع مهامه وسلطاته التى وصلت لرئاسة اتحاد كرة القدم،ومعه الجيش الذى تولى رجاله معظم المناصب العليا فى الدولة بل وداخل الاتحاد الاشتراكى التنظيم السياسى الشعبى فى ذلك الوقت أوالمفترض أنه تنظيم شعبى وليبتلع كل ماتشدق به فى استقالته عن الديمقراطية والحرية
وتأتى هزيمة 1967 المذلة،ويتفق الرجلان ناصر وعامر على الاستقالة،ويقدم عامر استقالته فى الوقت الذى أعلنت الجماهير تمسكها بعبد الناصر ليبدأ صراع جديد بين الرجلين ويتذكر عامر وبعد خمس سنوات خطاب استقالته وحديثة عن الديمقراطية فيأمر أنصاره بإعادة طبع الاستقالة كما هى ودون أدنى تغيير لأنه لم يكن هناك أى تطور يستدعى ذلك،وتم إرسال الاستقالة الى الضباط وأعضاء مجلس الأمة
من الواضح أن تصور عامر للأزمة الجديدة مع عبد الناصر أنها ستسير فى نفس المسار التى سارت فيه الأزمة عام 1962،ولذلك استدعى إحدى أدواته فى هذه الأزمة،وهو خطاب الاستقالة وبالتأكيد أن هذا التصور كان يقوم على فهم خاطيء فهزيمة 67 كانت أكبر من أن يتم تجاوزها بسهولة كما حدث فى أعقاب حرب 56،وأزمة الانفصال بين مصر وسوريا،ولذلك كان عبد الناصر أكثر تصميما هذه المرة فى القضاء على سيطرة عامر على الجيش وهو ماتحقق له،وكانت هذه الأزمة نهاية عامر التى ماتزال وستظل لفترة طويلة موضعا للعديد من علامات الاستفهام
د صفوت حسين
كاتب ومحلل سياسي
المصدر
- مقال:عبد الناصر وعامر... ولعبة الديمقراطيةموقع:كفر الشيخ أون لاين
