طابور المحتجين
بقلم: أ. حمدى الحسيني
طلاب وأساتذة في الجامعات.. أطباء في المستشفيات.. مزارعون في الحقول.. مهندسون ومحامون وصحفيون.. معتقلون في السجون.. وغيرهم يشكلون قائمة طويلة من شرائح المجتمع المصري زادت بشكل غير مسبوق خلال العام 2007، بجانب قائمة أخرى من العمال الذين أطلقوا منذ مطلع هذا العام المئات من الإضرابات والاعتصامات والحركات الاحتجاجية المتوالية.
لكن اعتصام موظفي إحدى المصالح الحكومية - مديريات الضرائب العقارية - المستمر حتى اليوم الأربعاء يبقى التطور الأهم في 2007 برأي المتابعين للشأن المصري، كونه يجسد انضمام موظفين بإحدى الدوائر الحكومية لأول مرة إلى طابور المعتصمين والمضربين للمطالبة بتحسين أوضاعهم المالية والمعيشية، وهو ما يقرأه الخبير السياسي د. محمد السيد سعيد على أنه مؤشر على بداية "استفاقة المصريين من سباتهم" وإدراكهم أن سلاح الإضراب بات الوسيلة الأنجع لتغيير أوضاعهم نحو الأفضل.
وتعد هذه هي المرة الأولى في تاريخ الدولة المصرية الحديثة التي يجاهر موظف عمومي بالاحتجاج متجاوزا عواقب تصرفه وظيفيا أو قانونيا باعتبار أن الموظف الحكومي ظل طوال عقود ممنوع عليه الاعتراض أو الاحتجاج على القرارات أو الأوضاع الإدارية.
ويجمع الاحتجاج أكثر من 50 ألف موظف من مديريات الضرائب العقارية في عدة محافظات قاموا بتصعيد حركتهم الاحتجاجية التي بدأت قبل أشهر حين نقلوا اعتصامهم منذ الإثنين الماضي إلى الشارع الذي يقع فيه مقر مجلس الوزراء من أجل تحسين أوضاعهم المالية ومساواتهم بنظرائهم العاملين في وزارة المالية.
رقم قياسي
ورفض المحتجون أمام مجلس الوزراء وعددهم نحو ثلاثة آلاف بجانب آلاف آخرين في المحافظات فض اعتصامهم، مؤكدين الطابع "السلمي" لتحركهم وأنه يهدف للحصول على "حقوقهم المسلوبة" وليس للتنديد بسياسات الحكومة، وتوقعت صحف حكومية أن يستجيب وزير المالية يوسف بطرس غالي لمطالبهم في نهاية الأمر مثلما استجابت الحكومة لمطالب العمال الذين أضربوا في عشرات الشركات العامة والخاصة خلال هذا العام الذي شارف على الانتهاء.
احتجاج موظفي الضرائب كان الحلقة الأحدث في سلسلة الاحتجاجات التي امتدت طوال عام 2007 والتي ضربت رقما قياسيا في الأسبوع الأول من ديسمبر الجاري فقط بتخطيها حاجز الـ20، ما بين احتجاج قائم بالفعل أو يخطط له خلال الشهر الجاري، بحسب إحصاء أجرته "إسلام أون لاين.نت".
وثقافة الاحتجاج والتظاهر التي بدأت تغلغل بين شرائح المجتمع المصري لم يعد مبعثها فقط المطالبة بتحسين الأوضاع المالية فقط، ولكن كوسيلة للوصول إلى حقوقهم والارتقاء بظروف معيشتهم، أو للاحتجاج على أوضاع غير مقبولة.
وفي هذا السياق انتشرت مؤخرا ظاهرة احتجاج الأهالي على إنشاء محطات تقوية بشبكات الهاتف المحمول في مناطق سكنهم، وما يمكن أن ينجم عنها من مخاطر صحية، وكان آخرها تجمهر أكثر من 100 مواطن أمام سنترال طنطا (شمال القاهرة) مطلع ديسمبر الجاري احتجاجا على تركيب محطة تقوية للمحمول فوق سطح أحد المباني، ونجحوا في الحصول على قرار من المسئولين بوقف عملية التركيب.
وكان لافتا أيضا أن يؤدي نجاح فئة من المجتمع في تحقيق مطالبها إلى تشجيع فئة أخرى على أن تحذو حذوها.
فقد أعلن مطلع الأسبوع الجاري د. حمدي السيد نقيب الأطباء عن تنظيم مظاهرة حاشدة من أطباء مصر والتوجه بها نحو مقر مجلس الوزراء يوم الثلاثاء المقبل للمطالبة بوضع كادر خاص للأطباء على غرار المدرسين الذين استجابت الحكومة لمطالبهم ووضعت لهم في وقت سابق من هذا العام كادرا خاصا يسمح برفع رواتبهم.
كما هدد سائقو مترو أنفاق القاهرة بتعطيل الحركة أكثر من مرة احتجاجا على حرمانهم من الرعاية الصحية والمطالبة بتحسين أوضاعهم المالية، وأعربوا عن عزمهم على القيام بإجراءات تصعيدية في ديسمبر، ونظم أيضا عمال الصيانة في هيئة السكك الحديدية إضرابا عن العمل عطل حركة القطارات أكثر من مرة خلال نفس الفترة الزمنية للمطالبة بالمساواة ماليا مع نظرائهم في الإدارات الأخرى.
تحسين دورات المياه!
اتساع ثقافة الاحتجاج والإضراب جعلها لا تنجم فقط عن أسباب تتعلق بتحسين الأوضاع المادية أو بمطالب حيوية أخرى، بل تعداها لأسباب أخرى لا تخلو من الطرافة.
فقبل نحو أسبوعين نظم عشرات المحامين وقفة احتجاجية أمام مبنى مجمع المحاكم بالجيزة (غرب القاهرة) للاحتجاج ضد وزارة العدل بسبب عدم توفير دورات مياه واستراحات مناسبة لهم في مبنى المجمع.
وبعيدا عن العاصمة، انتقلت ثقافة التظاهر والاحتجاج إلى المزارعين، حيث تجمع نحو 600 مزارع في مركز شلشلمون بمحافظة الشرقية أمام مقر مديرية الزراعة والري احتجاجا على عدم وصول مياه الري لزراعتهم مما يهدد ببوارها.
"عدوى" الاحتجاجات لم تقتصر أيضا على الأحرار الطلقاء، بل وصلت إلى زنازين السجون، وهو ما لم تعهده مصر من قبل، فقد أعلن الأسبوع الماضي معتقلون سياسيون في سجن "برج العرب" عن دخولهم في إضراب عن تناول طعام السجن احتجاجا على سوء المعاملة والمطالبة بوضع أسرة داخل زنازينهم لتجنب إصابتهم بالأمراض الروماتزمية مع دخول فصل الشتاء.
واستمر العمال في تصدرهم طابور المحتجين منذ أواخر العام الماضي، فبينما أنهى 500 من عمال مصانع إنتاج التلفزيون "تليمصر" بمحافظتي الجيزة والإسماعيلية اعتصامهم الذي نظموه بسبب تكرار تأخر الإدارة تسليمهم رواتبهم بعد الاستجابة لمطالبهم منذ أيام، تظاهر في منطقة مجاورة لهم في الجيزة 3 آلاف عامل في شركة مطاحن جنوب الجيزة احتجاجا على عدم حصولهم على الأرباح السنوية التي وعدتهم بها وزيرة القوى العاملة عائشة عبد الهادي.
الوسيلة الوحيدة
كما اتسع نطاق الاحتجاجات في الجامعات حيث اعتصم عشرات من طلاب جامعة الأزهر أمام مكتب رئيس الجامعة احتجاجا على اقتحام ضابط بأمن الجامعة قاعة المحاضرات أثناء الدراسة واعتقال أحد زملائهم وسط ذهول الأستاذ المحاضر الذي لم يتمكن من منع التصرف الغريب للضابط.
ولم تصبح الاعتصامات وسيلة الطلاب للاحتجاج ولكن أيضا للوصول إلى حقوقهم، فقد شهدت جامعة القاهرة أسلوبا مبتكرا من الطلاب المحرومين من دخول المدينة الجامعية لأسباب سياسية، حيث قاموا بالمبيت وسط طرقات الجامعة لمدة يومين إلى أن استجابت الجامعة لمطالبهم.
وتكرر الموقف في الجامعة الأمريكية بالقاهرة، حيث هدد الطلاب في نوفمبر بسلاح المظاهرات احتجاجا على توجه الجامعة لدعوة طلاب من جامعات إسرائيلية في إطار التعاون مع الجامعات الخارجية وهو ما اعتبره الطلاب "تطبيعا مرفوضا".
كما اتفق أساتذة جامعة الإسكندرية على تعطيل الدراسة بشكل دوري في كلية من كليات الجامعة كل أسبوع للفت الأنظار تجاه مطالبهم الخاصة بعمل كادر خاص لأساتذة الجامعات أيضا.
وفي محافظة الدقهلية شمال القاهرة تجمع 20 مدرسًا من العاملين بنظام العقود المؤقتة واعتصموا أمام مقر الإدارة التعليمية مطالبين بحقهم في التحول من عقود مؤقتة إلى دائمة لضمان حصولهم على حقوقهم الكاملة.
وفي معرض تفسيره لانتشار ظاهرة الاعتصامات والإضرابات التي لا يكاد يمر يوم دون أن تقع اعتبر المفكر اليساري محمد السيد سعيد رئيس تحرير يومية "البديل" أنها "ردة فعل متأخرة على ثلاثة عقود من الأوضاع والسياسات الاقتصادية المتردية".
تحرك سياسي
وقال لـ"إسلام أون لاين.نت": "لم يعد أمام الناس سبيل سوى التمرد والمجاهرة بمواقفهم، فالبلد بدأت تفيق من سباتها تدريجيا على واقع اقتصادي بائس ومركب نتج عنه شعور بالظلم وعدم المساواة".
واستطرد مضيفا: "المرتبات متدنية، والدخول لأغلبية الفئات ضئيلة وتحض على الفساد، والبنية التحتية الاقتصادية مدمرة، وأي زيادة في المرتبات والأجور تتبخر مع الارتفاع الجنوني في أسعار السلع والخدمات، مما يدعو إلى ثورة حقيقية تعيد الأمور إلى وضعها الطبيعي".
واتهم د. سعيد الحكومة بالمراوغة في حل مشاكل الفئات المحتجة بلجوئها إلى ما وصفه بالمسكنات لعدم امتلاكها حلولا جذرية للمشكلات المتراكمة في المجتمع طوال العقود الثلاثة الماضية.
وحول توقعاته تجاه مصير هذه الاحتجاجات رد سعيد: "أتوقع تنامي مثل هذه الاحتجاجات والخروج على عقود الإذعان، ولكنه يصعب التنبؤ بنهايتها لأنها حركات فئوية تفتقد للعمل التنظيمي الجماعي مما يضعفها ويسهل على الحكومة التعامل معها".
واعتبر المفكر اليساري أن "الأمر يتطلب قيادات وقوى سياسية تنظم عمل الاعتصام لتحوله من مجرد تحرك مدفوع بأهداف مالية واقتصادية إلى أن يصل لتحرك سياسي يغير في السياسات والتوجهات الخاطئة التي تبناها نظام الحكم ومضى في تطبيقها منذ سنوات دون أن يضع في اعتباره الاصطدام الشامل بقوى عريضة في المجتمع".