سبيل القاصد للحكم الراشد

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
اذهب إلى: تصفح، ابحث
سبيل القاصد للحكم الراشد


بقلم : الأستاذ فادي شامية

محتويات

إهداء وتقديم

إهداء

  • إلى الذين أقاموا دولة الإسلام في نفوسهم وفي بيوتهم..
  • إلى المنتمين إلى الحركة الإسلامية..
  • إلى جميع العاملين المضحّين من أجل عزة الإسلام وكرامته..
  • إلى أهلي وعموم المسلمين..
  • أهدي كتابي هذا عسى أن يجعل الله فيه الفائدة والأجر.

تـقـديــــم

بقلم المستشار الشيخ فيصل المولوي

الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا محمد رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد

فإن الصحوة الإسلامية اليوم تعيش مخاضاً عسيراً، في الفكر وفي الحركة.

على صعيد الفكر، أعادت الصحوة طرح الفكر الإسلامي على مجتمعاتنا كلها، وهي تعاني من التخلف والتمزق والصراع بين الأصالة والحداثة، وبالتالي فقد أصبح من واجب الإسلاميين التصدي لكلّ القضايا المعاصرة، وبيان رأي الإسلام فيها، ولعلّ من أهمّ هذه القضايا صورة الدولة في الإسلام، والعمل السياسي في الدولة الإسلامية، والأحزاب، والتعددية السياسية، وحريّة التعبير، والتعامل مع الآخر، والتداول السلمي على السلطة، وغير ذلك كثير. لم يعد ممكناً الإجابة على التساؤلات المتعلقة بأمثال هذه القضايا من بطون الكتب، بل لا بد من إعمال الفكر للوصول إلى إجابات واضحة تحفظ لهذه الأمة أصالتها، وتمكنها من الاستفادة من جميع التجارب البشرية.

وعلى صعيد الحركة، فإنّ اتساع الصحوة الإسلامية، جعل الحركة الإسلامية بجميع تياراتها ومدارسها، أمام وضع جديد، لم يعد ينفع فيه (تنظيم الطليعة) أو (تنظيم النخبة)، بل لا بدّ اليوم من تنظيم شعبي واسع قادر على قيادة الجماهير. والفرق كبير بين تنظيم طليعي وتنظيم جماهيري، إنّه فرق يتناول الأهداف والوسائل والمنهج والهيكلية التنظيمية وآلية الحركة، أي يتناول كلّ شيء. إننا حين نحاول استنهاض التنظيم النخبوي حتى يكون قادراً على القيام بعمل شعبي واسع، قبل إعادة النظر في استراتيجيته التي يقتضيها تغير المرحلة، فعبثاً نحاول، ولن نحقق إلاّ القليل.

من حقّ أمتنا علينا، ومن واجبنا تجاه دعوتنا، أن نتوقف أمام المرحلة الحالية لنمحّص تفكيرنا في قضايا الأمة، ومشكلات الحركة والتنظيم لعلنا نكتشف معالم المرحلة الجديدة.

وهذه الدراسة التي أقدّمها للقارئ الكريم (سبيل القاصد للحكم الراشد) محاولة جادّة للتفكير، تنطلق من الأصول، وتنظر إلى الواقع، وتستشرف المستقبل. هذه المحاولة نظرة من الداخل، ومن هنا نجد لها أهمية خاصة. لذلك فإنني أدعو الشباب إلى تكرار المحاولات من هذا النوع، فنحن بحاجة أن نفكر، وأن نتعمق في التفكير، حتى نكتشف واقعنا، ونكتشف كيف نتعامل إسلامياً مع هذا الواقع بما يرضي الله ويحقق آمال الأمّة وأهدافها. ويجب أن لا ننسى أنّ التفكير الإنساني محتاج دائماً إلى رعاية الله وتوفيقه وتسديده، فلنضرع إليه أن يعيننا على كلّ خير، ويعصمنا من كلّ سوء، والحمد لله ربّ العالمين.

مقدمة المؤلف

بسم الله الرحمن الرحيم

يتشرف قلمي بأن يخط كلمات في خط سير الإسلام نحو الريادة، وإنه لشرف عظيم لكل من وجد في نفسه القدرة على الكتابة أن يكتب للإسلام ويرسم سلّم صعوده ليهيمن على الأديان جميعا لأنه وارثها وخاتمها، فليس الحبر الذي يسكب على القرطاس في هذا الإطار بأقل قدرا من الدم الذي يهرق في ساحات الجهاد، لأن الرؤية الواضحة للهدف هي التي تسدد الرمي وتنصر الجهد.

من أجل ذلك انحزت إلى الكتابة في عدد من الموضوعات التي تتعلق بالحركة الإسلامية، تلك الثلة المباركة من أبناء الأمة التي تحمل الإسلام على عاتقها وتسير به إلى الأمام، ولا سيما أن الكثيرين ممن حُـمّلوا أقلاما يكتبون ضدها، فيتهجمون عليها ويسفّهون ما تحمله من خير عميم للبشرية.

في كتابي المتواضع هذا أرسم خطا موصلا إلى هدف كل إسلامي، وهو تحكيم شرع الله في الأرض، عبر مجموعة أفكار مسخّرة في خدمة هذه الغاية، جاعلا منه قسمين، قسم وقفته على تبيان مفهوم الدولة والحزب والحركة الإسلامية والطرق الآيلة لإعادة تحكيم شرع الله من الناحية النظرية، وقسم خصصته لطرح جملة أفكار نهضوية للعمل الحركي الحالي بهدف تنشيطه وتفعيله ليتزود بالزخم الموصل لكل قاصد نحو حكم راشد ولذلك أسميت كتابي: "سبيل القاصد للحكم الراشد ".

وأنا إذ أضع كتابي هذا، لا أدعي أنه يحمل الصواب المطلق - معاذ الله - ولكنه محاولة لتنشيط العصف الذهني الواجب على أبناء الحركة الإسلامية لتحقيق مبتغياتها السامية، شاكرا كل الذين اطلعوا عليه قبل طباعته وزودوني بملاحظاتهم، لا سيّما القاضي الشيخ فيصل مولوي والدكتور صلاح الدين أرقه دان والشيخ محمد الخليلي والشيخ علي اليوسف..

والله أسأل أن يحمل هذا العمل إلى القارئ الكريم السداد في الطريق، وأن يجنبنا جميعا الزلل، ظاهره وباطنه.

فادي شامية

صيدا في 21/08/2005م

القسم الأول - الدولة والحركة الإسلامية

الـفصل الأول: الدولة في الشرع والقانون

المبحث الأول: الدولة في القانون - المطلب الأول: تعريف الدولة

الدولة هي مجموعة من الأفراد يمارسون نشاطهم على إقليم جغرافي محدد، ويخضعون لتنظيم معين، فهي بهذا المعنى ظاهرة سياسية وقانونية تعني الجماعة القاطنة في الإقليم بصفة دائمة ومستقرة.

من هذا التعريف يتبين لنا أن للدولة أركانا لا بد أن تقوم عليها، هي:

1- الأرض التي يقيم عليها الشعب بصفة مستقرة وتعرف باسم الإقليم.
2- الشعب المقيم على الرقعة المحددة من الأرض.
3- السلطة السياسية التي يخضع لها أفراد الشعب.
  • التعريفات والشروحات الواردة في هذا الفصل، والمتعلقة بمفاهيم الدولة وخصائصها وأصل نشأتها ووظيفتها وفق المذاهب المختلفة، ليست هي القصد الأساس للكتاب، ولكنها تمهيد لابد منه، لذا راعينا الاختصار قدر الإمكان، وعدم التوسع في الكتابة عن هذه الموضوعات إلى حدود التعمق والمناقشة العلمية والمستفيضة

المبحث الأول: الدولة في القانون - المطلب الثاني: خصائص الدولة

إذا توافرت للدولة هذه الأركان الثلاثة، نشأ لها الوجود والكيان القانوني وثبتت لها الشخصية القانونية. وعلى هذا النحو ُتجمل خصائص الدولة في أمرين: السيادة والشخصية القانونية.

1- السيادة souverainété:

صفة من صفات السلطة، وهي تعني أن سلطة الدولة سلطة عليا فلا توجد سلطة أعلى منها أو موازية لها، فهي تسمو فوق الجميع وتفرض ذاتها1.وهذه السيادة تعني أيضا أن سلطة الدولة هي سلطة أصيلة لا تستمد أصلها من أي سلطة أخرى، ومن ثم فإن الهيئات الإدارية الموجودة بالدولة محلية كانت أم مرفقية تستمد سلطانها من هذه السلطة العليا، وهذه السيادة أيضا تجعل من سلطة الدولة وحدة غير قابلة للتجزئة وتبعا لذلك فإن تعددت السلطات الحاكمة في الدولة فهذه السلطات لا تتقاسم فيما بينها، وإنما تتقاسم الاختصاصات فقط. السيادة في الخلاصة تعني أن سلطة الدولة سلطة آمرة،عليا،أصيلة، واحدة، وغير مجزأة.

ويلاحظ أن للسيادة مظهرين، أولهما خارجي، يعني استقلال الدولة وعدم خضوعها لغيرها من الدول، والثاني داخلي يعني أن الدولة كسلطة عليا تهيمن على جميع الأفراد، والهيئات الموجودة على إقليم الدولة، وتسمو إرادتها عليهم جميعا.

وهذه السيادة الداخلية قد تكون كاملة، وقد تكون منقوصة، إذ أن السيادة تكون تامة إذا كانت الدولة مستقلة استقلالا تاما، وغير خاضعة لدولة أخرى، بينما تكون منقوصة إذا ما احتفظت الدولة ببعض مظاهر سيادتها الخارجية، وفقدت بعضها الآخر نتيجة خضوعها لعلاقة تبعية لدولة أخرى مثل الدول المحمية والدول الواقعة تحت الانتداب أو الوصاية، على أن نقصان السيادة لا يفقد الدولة وجودها القانوني. أما السيادة الداخلية فهي تعني أن الدولة كسلطة عليا تهيمن على جميع الأفراد والهيئات الموجودة على إقليم الدولة بحيث تسمو إرادتها عليهم جميعا.

من هو صاحب السيادة ؟

السيادة وفق ما تقدم صفة للسلطة السياسية تعني سمو سلطة الدولة على أي سلطة أخرى، ولكن الدولة تعتبر شخصا معنويا مجردا، فلا بد أن تنسب السيادة إلى صاحب محدد يمارسها بصورة فعلية، فإذا كانت السيادة للدولة على اعتبار أنها صاحبة السلطة السياسية، فإن السيادة في الدولة معناها، الجهة التي تمارس تلك السلطة داخل الدولة، أي إلى من ترجع صفة الأمر في الدولة ؟ أو بمعنى آخر من هي الجهة مصدر السلطات في الدولة ؟

لا شك أن الشعب المتمتع بالحقوق السياسية لهذه الدولة، أي الشعب الذي يشكل أحد الأعمدة الثلاثة التي تقوم عليها الدولة، هو صاحب السيادة لأن غاية وجود الدولة أساسا هو تنظيم حياة هذا الشعب، إلا أن الفقهاء الدستوريين يسندون السيادة للشعب وفق مذهبين مختلفين تعبر عنهما نظرية سيادة الأمة ونظرية سيادة الشعب، النظرية الأولى (سيادة الأمة) تسند السيادة للأمة باعتبارها وحدة مجردة مستقلة عن سائر الأفراد المكونين لها، فالسيادة لا تكون لفرد من الأفراد أو لجماعة من الجماعات حيث لا يعتبر أي منهم صاحبا أو مالكا لجزء منها.

أما النظرية الثانية (سيادة الشعب) فإنها تسند السيادة للمجموع أيضا ولكن ليس باعتباره وحدة مستقلة عن الأفراد المكونين له كما يقضي مبدأ سيادة الأمة وإنما باعتبار هذا المجموع يتكون من عدد من الأفراد، ومن ثم تكون السيادة لكل فرد فيه، أي أن السيادة مجزأة على أفراد الجماعة بحيث يملك كل فرد منهم جزءاً من السيادة.وهذا التباين ليس مجرد اختلاف نظري بل له نتائج هامة[1]:

2- الشخصية القانونية

تعني أن الدولة وحدة متمايزة ومستقلة عن مجموع الأفراد المكونين لها، كما تعني أنها مستقلة عن أشخاص الحكام الذين يزاولون شؤون الحكم والسلطات.

ويترتب فوق ذلك أيضا قيام شخصية معنوية Personalité morale للدولة تختلف عن الشخصية الطبيعية التي تثبت للأفراد الآدميين، وبذلك يمكن القول إن الدولة هي التشخيص القانوني للأمة.

وقيام شخصية معنوية للدولة يعني:

1- أن الحكام إنما يزاولون السلطة نيابة عن الدولة باسم الجماعة ولصالحها لا من أجل تحقيق المصالح الخاصة للحكام أو لفئة من المحكومين.

2- لا يترتب على تغيير شكل الدولة أو نظام الحكم فيها أو تغيير أشخاص الحاكمين تعطيل نفاذ القوانين النافذة، وإنما يبقى العمل وفق مقتضياتها إلى أن تلغى أو تعدل، ويسري نفس الحكم على المعاهدات والاتفاقات والالتزامات التي ارتبطت بها الدولة مع الدول الأخرى، ما دامت الدولة باقية، وكذلك هي الحال بالنسبة لحقوق الدولة في مواجهة باقي الدول.

انه يمكن مقاضاة الدولة من الأفراد وفق آلية معينة[2].

1 سلطة الدولة في المحصلة هي سلطة الأفراد الذين يخضعون لهذه الدولة مجتمعين، وإذا كانت السلطة وفق هذا المعنى سلطة عليا غير مستمدة من سلطة أي هيئة أخرى، فإنها ليست مطلقة في الحرية والتقنين والتصرف بل يحد من سلطتها القانون الطبيعي في المفهوم الوضعي والشريعة الإسلامية في المفهوم الشرعي.

[1] وفق نظرية سيـادة الأمـة:

- السيادة غير قابلة للتجزئة عبر نظام ديمقراطي مباشر أو شبه مباشر، وشكل الديمقراطية التي تتمشى مع هذه النظرية هي الديمقراطية النيابية.

- الانتخاب وظيفة لا حق وبالتالي يفرض على الأفراد رغما عنهم، كما أنه بالإمكان جعله مقيدا بشروط تحد من قاعدة الناخبين.

- النائب في البرلمان يعتبر ممثلا للأمة بأسرها لا ممثلا لناخبي دائرته فقط.

- القانون يعبر عن الأمة بمجموعها وعن أجيالها السابقة والحاضرة واللاحقة وتغيرّ القواعد الأساسية صعب حرصا على مصلحة الأجيال القادمة.

أما وفق نظرية سيادة الشعب:

- السيادة مجزأة بين أفراد الشعب دون وضع تقييدات خاصة على قاعدة الناخبين، وشكل الديمقراطية المناسب هو الديمقراطية المباشرة أو غير المباشرة.

- الانتخاب يعتبر حقا لا وظيفة وممارسته خيار للناخب وليس فرضا عليه.

- النائب في البرلمان يعتبر بالدرجة الأولى ممثلا عن دائرته الانتخابية فقط.

- القانون يعبر عن الأغلبية في الأمة وليس عن كل الأمة، ومبادئه الأساسية قابلة للتغيير.

[2] إبراهيم شيحا، الوجيز في النظم السياسية والقانون الدستوري، الدار الجامعية، بيروت؛ محمد المجذوب، القانون الدستوري والنظام السياسي في لبنان، منشورات الحلبي الحقوقية، بيروت.

المبحث الأول: الدولة في القانون - المطلب الثالث: أصل نشأة الدولة

توجد نظريات متباينة حول أصل نشأة الدولة وقد ظهر نتيجة لهذا التباين اتجاهات عديدة أهمها:

1- الاتجاه الثيوقراطي: الذي يرد أصل نشأة الدولة إلى تدخل الآلهة التي تؤثر الحكام دون سواهم بالسيادة والسلطان ليحكموا باسم الآلهة، وقد كانت هذه الفكرة هي السائدة في المدنيات الأولى، على أن الحكام كان بعضهم يدعي طبيعة إلهية أو نصف إلهية (روح الإله حلت به أو تزوجت منه) أو تفويضا مباشرا من الإله أو عناية إلهية خصته وانتخبته.

2- الاتجاه الديموقراطي:الذي يرد أصل نشأة الدولة إلى فكرة العقد الاجتماعي الذي قام بين الأفراد فيما بينهم دون أن يكون الحاكم طرفا فيه فتنازلوا له عن حقهم ليقوم بتنظيم شؤونهم (نظرية العقد عند هوبز)، أو هو عقد قام بين الأفراد من ناحية والحكام من ناحية أخرى وقد رتب حقوقا والتزامات لكل طرف، دون أن يفقد الأفراد كامل حقوقهم بل تنازلوا عن جزء منها وبالقدر اللازم لإقامة السلطة (نظرية العقد عند لوك)، أو هو عقد قام بين الأفراد أنفسهم ولكن بصفتين، الأولى باعتبارهم أفرادا مستقلين ومنعزلين كل منهم عن الآخر، والثانية باعتبارهم أعضاء متحدين يتبدى من مجموعهم الشخص الجماعي المستقل، وقد أدى العقد إلى تنازل الأفراد عن كامل حقوقهم تجاه مجموعهم وعلى ذلك فهي سلطة خاضعة لهم ووكيلة عنهم، فالحكام ليسوا إلا خداما لدى الشعب الذي يستطيع أن يخلع أيا منهم (نظرية العقد عند روسو).

3- اتجاه القوة: يرى أصحاب هذا الاتجاه أن الدولة إنما قامت عندما استطاعت فئة من نفس الجماعة أن تسيطر على بقية الأفراد ثم تسيطر على باقي الجماعات المجاورة عن طريق القهر والقوة، وتستند هذه النظرية على الأحداث التاريخية الكثيرة التي قامت فيها الدول وانتظمت بعد حروب طاحنة أدت إلى قهر فئة لفئة أخرى، وقد زاد ابن خلدون على هذه الفكرة عامل العصبية الذي يدفع إلى التنافس على الحكم، سواء كانت عصبية عرقية أو دينية أو قبلية، كما ربط بين نشوء الدولة وضرورة تأمين الحاجات الضرورية للمجتمع بينما ربط ماركس بين قيام الدولة وصراع الطبقات الاجتماعية.

4- اتجاه التطور التاريخي: يرد أصحاب هذا الاتجاه أصل نشأة الدولة إلى اعتماد الدولة في قيامها على عدة عوامل متباينة الأهمية ومتفاوتة بين دولة وأخرى حسب طبيعة كل بيئة وظروفها، ونتيجة لتفاعل تلك العوامل المختلفة ظهر على مر الزمن إحداث ترابط بين أفراد الجماعة رغبة في تحقيق الأغراض المشتركة لهم ثم تطورت تلك الجماعة فصارت دولة على نحو ما نراه اليوم، وعلى هذا النحو فلا يمكن النظر إلى الدولة وفق هذا الاتجاه على أنها مولودة بتاريخ محدد بل هي نتيجة تطورات طويلة وممتدة في الزمن من شكلها الأكثر بساطة وصولا إلى الشكل الأكثر تعقيدا.[1]

يبدو من خلال هذا العرض أن النظرية الأخيرة هي النظرية الأكثر إقناعا، ذلك أنه من الصعب قبول النظريات الثيوقراطية على إطلاقها، فالبشرية شهدت تنظيما سياسيا ثيوقراطيا بعيدا عن روح الآلهة المزعومة، بل قام على أساس التوحيد والخضوع للسلطة الإلهية ممثلة بالرسول الذي يتلقى الوحي (النبي سليمان في بني إسرائيل مثلا).

أما نظرية العقد الاجتماعي على اختلاف صورها (عند هوبز ولوك وروسو) فهي-كما قيل بحق- أكبر أكذوبة سياسية ناجحة عرفها التاريخ، لأنها فكرة خيالية وغير صحيحة من الناحية التاريخية كما أنها تقوم على افتراض وهمي غير سليم مفاده أن الفرد كان يحيا قبل انتقاله إلى الجماعة المنظمة حياة عزلة خلافا للواقع لأن الإنسان كائن اجتماعي بطبعه، كما أن فكرة التعاقد ذاتها غير متصورة عملا لعدم إمكان الحصول على رضا جميع الأفراد، رغم أن الرضا وفق النظرية يعتبر شرطا أساسيا للتعاقد، كما أن هذه الفكرة تجافي المنطق القانوني لأن القوة الإلزامية للعقود لا توجد إلا بوجود الجماعة،وبقيام سلطة تحمي العقود وتوقع الجزاءات على عدم احترامها ومن ثم فلا يكون سائغا لا منطقا ولا قانونا أن يكون العقد الذي يحتاج إلى حماية السلطة هو ذاته الذي أقام السلطة!كما أن هذه النظريات تفترض تنازل الأفراد عن حقوقهم أو جزء منها رغم أنها حقوق لا يجوز مطلقا أن تكون محلا للتعاقد لأنها حقوق لصيقة بشخصية الإنسان[2].

أما طرح النظرية الثالثة المتعلق بالقوة كأساس لقيام الدولة فهو وإن كان غالبا ما يقع، إلا أنه لا يمكن التسليم لهذا المعيار بشكل كامل، لأن السلطة أيا كان وضعها لا تستطيع أن تضمن لنفسها الاستقرار والدوام عن طريق القوة وحدها، لأن الإرادة الشعبية يجب أن تساند القوة لاستمرار الدولة.

فلم يبق إلا النظرية الأخيرة التي تبناها معظم الفقهاء الدستوريين اليوم وهي على كل حال نظرية واسعة تستوعب النظريات الأخرى إن لجهة أخذها القهر بعين الاعتبار كسبيل لإقامة الدولة أو لجهة تركها المجال أمام العوامل الدينية الأخرى التي تشكل الدولة سواء كانت عوامل دينية صحيحة أم خرافية[3].

[1] أحمد إبراهيم حسن، تاريخ النظم الاجتماعية والقانونية، الدار الجامعية، بيروت، ص 21.

[2] إبراهيم شيحا، الوجيز في النظم السياسية والقانون الدستوري، الدار الجامعية، بيروت، ص 112، وما بعدها.

[3] ويعتبر الفقيه ليون دوجي Luon Duguitمن أبرز الفقهاء المحدثين الذين تبنوا هذه النظرية بالرغم من تركيزه على القوة التي تتخذ عنده مفاهيم وأبعاد عديدة، كالقوة المادية والفكرية والسياسية والأدبية والقوة في الشخصية والتأثير.

المبحث الأول: الدولة في القانون - المطلب الرابع: وظيفة الدولة في المذاهب المختلفة

إن الدولة -بغض النظر عن طريقة نشوئها- لا بد أن تقوم على جملة أفكار رئيسة تعبّر عن الوعي المجتمعي وعن قناعات الأغلبية من المواطنين، ولما كانت هذه الأسس متباينة بين الجماعات البشرية تبعا لاختلاف نظرتها إلى الكون والإنسان، فإنه من الطبيعي أن تتباين وظائف الدولة وتتوزع وفق مذاهب مختلفة يمكن أن نجملها بالمذاهب الآتية: المذهب الفردي -المذهب الاشتراكي- المذهب الاجتماعي (الإسلامي ) مع التنويه إلى أن بعض المفكرين ذهبوا باتجاه مغاير لكل الاتجاهات السابقة ورفضوا فكرة الدولة من أساسها معتبرين أن الإنسان بدأ حياته على البداوة بعيدا عن الدولة وبإمكان البشر تنظيم شؤون حياتهم دون وجود سلطة تقوم على الإكراه وتقضي على حرية الإنسان، وأصحاب هذا المذهب الفوضوي يعتبرون أن ليس للدولة سوى هدف واحد، وهو الحد من حرية الفرد.!وبالطبع فإن هذا المذهب الذي انتشر في القرن الماضي لم يعد له من أهمية الآن مع تعقّد الحياة وتشعبها، وهو على ما يبدو قام كردة فعل على الأنظمة الدكتاتورية التي سادت قبيل الحرب العالمية الأولى، وهو ينطلق من مقدمة غير صحيحة مبنية على نظرة خاطئة عن وظيفة الدولة.

ولنستعرض وظيفة الدولة وفق المذاهب المختلفة:

1- في المذهب الفردي:l’individialisme

يقوم هذا المذهب كما يدل عليه اسمه على جعل الفرد غاية التنظيم الجماعي، ومن ثم فهو يجعل الفرد محور قيام الدولة وأساس وظائفها، لذلك فإن وظائف الدولة تتحدد وفق هذا المذهب بالوظائف الأساسية، وهي وظيفة الدفاع الخارجي والأمن الداخلي وإقامة العدالة بين الأفراد، فالدولة وفق هذا المفهوم تسمى الدولة الحارسة التي لا تجرؤ على التدخل في المجالين الاقتصادي والاجتماعي تبعا للمبدأ المعروف "دعه يعمل، دعه يمر" laisser faire, laisser passer.

وقد استند أنصار هذا المذهب على عدة حجج لتبرير نظرتهم إلى الدولة ووظائفها، أهمها التركيز على قدرة الأفراد على تنظيم حياتهم الاقتصادية والاجتماعية ونجاحهم في إشباع رغباتهم في حين أن الدولة غالبا ما تتعثر بمشروعاتها الاقتصادية والاجتماعية.

هذا المذهب انتشر بشدة في القرن الثامن عشر ثم ما لبث أن خفت صوته مع تقدم المدنية وتعّقد الحياة، وأشد ما يؤخذ على هذا المذهب أنه يؤدي إلى تحقيق المساواة القانونية ولكن لا يؤدي إلى تحقيق المساواة الفعلية بين المواطنين ما يؤدي إلى سيطرة القوي على الضعيف والغني على الفقير إضافة إلى أنه يعتبر وظائف الأمن الاجتماعي من ثقافة وتعليم وصحة وظائف ثانوية!

2- في المذهب الاشتراكي:Le socialisme

هو نقيض المذهب الفردي بحيث يطمس مقام الفرد تحت شعار تأمين الرفاهية والاستقرار للأفراد، فيطلق العنان لتدخل الدولة في كل شيء. وإذا كان أفراد هذا المذهب يتفقون على ضرورة إطلاق العنان لتدخل الدولة، إلا أنهم مختلفون على مدى هذا التدخل وفق اتجاهين متمايزين:

أ- الشيوعية:Le communisme

التي ترى وجوب إلغاء الملكية الفردية والقضاء على مؤسسة الأسرة ومصادرة واحتكار مصادر الثروة العامة وأدوات الإنتاج ثم إعادة توزيعها تحت الشعار المعروف:

"لكل حسب حاجته"A chacun selon ses besoins

ب- الجماعية: Le collectivisme

وهي ترى وجوب سيطرة الدولة على جميع مصادر الإنتاج الأساسية كالأرض والمناجم والسكك الحديدية والمصانع، وأما وسائل الإنتاج فتبقى مملوكة للأفراد ما يؤدي إلى توزيع ثمرات الإنتاج على جميع الأفراد، لا تبعا للمبدأ الذي نادى به الشيوعيون "لكل حسب حاجته "بل تبعا لمبدأ آخر هو: "كل حسب عمله"A chacun selon son travail .

المذهب الاشتراكي باتجاهيه الشيوعي والجماعي يقوم على عدد من الحجج والأسانيد أهمها:أن النظام الرأسمالي الذي يقوم وفق المذهب الفردي، نظام ظالم يشجع على الطبقية والاستقلالية وأن النظام الرأسمالي يعلي المصالح الفردية على مصالح الجماعة، وأن التطبيق العملي الاشتراكي لبعض المرافق في بعض الدول قد أدى إلى نتائج جليلة.هذا المذهب وإن كان نظريا يشير إلى المساواة فإنه عمليا ينقل الاستغلال من أيدي الأفراد في النظام الفردي إلى طائفة كبار الحكام الذي يولون إدارة الإنتاج في النظام الاشتراكي،كما أن هذا المذهب ينطوي على انتهاك الحريات والحقوق الفردية، ويقوم على إلغاء الملكية الخاصة ما يصادم الطبيعة البشرية للأفراد المفطورة على حب التملك، كما يؤدي إلى بعث الخمول والاستكانة بدلا من روح الابتكار والعمل، فضلا على أن الناحية التطبيقية قد أدت إلى قهر واستبداد شديدين دفع الشعوب للثورة على هذا النظام.

3- المذهب الاجتماعي (الإسلامي): La doctrine sociale (islamique)

وهو المذهب الوسط الذي يقف بين المذهب الفردي المتطرف في التركيز على دور الفرد والمذهب الاشتراكي الموغل في التركيز على دور الجماعة. وقد بدأت الدول المعاصرة تتجه إليه خصوصا بعد الحرب العالمية الثانية، وصار فقهاء القانون الدستوري المعاصرين يتغنون به وينظّرون له ويسمونه: "مذهب الوسط" أو "المذهب الاجتماعي".

هذا المذهب يمكن إسقاطه على الدولة الإسلامية في تاريخ وجودها الطويل مع إضافة الصفة الإسلامية عليه، وهكذا أبرز المسلمون منذ القدم معادلة متوازنة بين الفرد والجماعة منذ تأسيس دولتهم الأولى في المدينة المنورة وحتى سقوط الخلافة العثمانية.

يتضمن هذا المذهب المرونة الكافية لتحديد مدى وطريقة تدخّل الدولة حسب الحاجة، فهو قد يتخذ صورة المراقبة والإشراف على النشاط الفردي إذا كان الأفراد قادرين على إشباع الحاجات العامة مع وضع الدولة لسقوف اجتماعية واقتصادية كقيامها بتحديد الأسعار أو تنظيم شؤون الاقتصاد وعلاقات أرباب العمل بالعمال، وقد يتخذ شكل تدخل الدولة بصورة المعاونة إذا كان النشاط الفردي غير قادر على تأمين الحاجات الأساسية كقيام الدولة بالمساعدة على تأمين الدخل والعمل والمسكن والصحة..، وقد يتخذ صورة التدخل المباشر إذا رأت الدولة أن المشروعات الفردية عاجزة عن أن تقوم بنفسها بسد الحاجات الأساسية وإذا رأت أن طبقات اجتماعية قد تسيطر على أخرى، عندها تتدخل الدولة بشكل مباشر حماية للمجتمع والأمن الاجتماعي كقيام الدولة بالمشاريع الإنتاجية على قدم المساواة مع القطاع الخاص أو بمشاركته أو حتى بقيامها بها على وجه الانفراد في قطاعات معينة.

المبحث الثاني: الدولة في الشرع الإسلامي - المطلب الأول: أساس قيام الدولة والموقف الإسلامي منها

لابد للدولة من أساس فكري تستند إليه في قيامها، هذا الأساس قد ينحدر إلى مجرد أساس عرقي أو جغرافي يضم خليطا من إثنيات ومعتقدات متضاربة لا يجمعها سوى اشتراكها في العيش على رقعة جغرافية محددة، وقد يقوم على أساس فكري سواء كان فلسفيا أو سياسيا أو اقتصاديا أو دينيا، وسواء تمظهر بالنظام الحر أو بالنظام الاشتراكي أو الشيوعي أو غير ذلك..وفي كلٍ قصور وتضارب.

أما نظرة الإسلام إلى الدولة فمختلفة، فهي وإن قامت على أساس فكري ديني إلا أن هذا الأساس يتفرد بإبراز الخصائص الإنسانية في الإنسان وينميها ويرفعها، لا كما أراد الشيوعيون أن يبرزوا الصفات الحيوانية وحدها من طعام ومسكن وجنس، ولا كما أراد الرأسماليون أن يبرزوا المفاهيم المادية على أنها المفاهيم الحضارية، بل ليسمو الإسلام بالنفس البشرية، "ويقيم دولته على آصرة إنسانية متمثلة بقيمة إنسانية عليا كالعقيدة دون اصطراع بين طبقات أو أجناس"[1]، وعلى هذا الأساس السامي قامت الدولة الإسلامية الأولى في المدينة المنورة وتوسعت هذه الدولة باعتناق الناس للإسلام وانتشار الدعوة.

الدولة في نظر الإسلام ليست ضرورة دنيوية غايتها تنظيم شؤون الناس فحسب، بل هي فريضة عبادية لا تتم بعض الواجبات الشرعية إلا بوجودها. قال تعالى: )وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ( (المائدة: 44)، )فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً( (النساء: 65)، )يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً( (النساء: 59). والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: «كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته، والأمير راع والرجل راع على أهل بيته والمرأة راعية على بيت زوجها وولده، فكلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته» البخاري. و«من مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية» مسلم. لذلك كانت أولى اهتمامات الرسول صلى الله عليه وسلم فور وصوله المدينة مهاجرا إقامة الدولة الإسلامية.

إن نصوص الإسلام وتجربته التطبيقية النموذجية صريحان في التأكيد على أن الدولة الإسلامية ضرورة دنيوية وأخروية، وهي فرض على كل مسلم بأن يسعى لإقامتها وأن يحافظ عليها حال قيامها عملا بالقاعدة الأصولية "ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب". وهي صاحبة سيادة مستمدة من الشعب الخاضع لها، وهي خاضعة لحاكمية الله وسيادته في حياة الإنسان، فلا تشريع يخالف الشرع ولا فعل يجافي حكمه، والشعب هو الذي يمد دولته بالسلطة تحت سقف الحاكمية لله، وله الحرية في سن القوانين التي تنظم حياته ومعاملاته دون أن تخالف الشريعة الربانية التي تمثل الدستور الأسمى للدولة[2].

مما سبق يتضح أن الإسلام كدين لا يتم إلا بوجود دولة إسلامية، هي الجهاز السياسي لتحقيق مُثُل الإسلام العليا وعليه فإن المسلمين اليوم يعيشون في إشكالية خطيرة تتمثل في تجزئة الإسلام إلى عدة مفاهيم، يُطبق بعضها ويترك بعضها، لأن الإسلام كما يقول الإمام حسن البنا "دولة ووطن أو حكومة وأمة، وهو خلق وقوة أو رحمة وعدالة، وهو ثقافة وقانون أو علم وقضاء، وهو مادة وثروة أو كسب وغنى، وهو جهاد ودعوة أو جيش وفكرة، كما هو عقيدة صادقة وعبادة صحيحة، سواء بسواء"[3].

فالمسلم بحاجة إلى دولة ليحمي عقيدته من كل ما يشّوه جمالها، وليتم شعائر دينه، وليغرس الآداب والأخلاق في أنفس أبنائه مما يتطلب مناهج تعليمية هادفة وراشدة، وليحتكم إلى تشريعات ربه التي جاء بها الإسلام، وأخيرا ليبلّغ دعوته إلى العالمين، حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله.. وكل ذلك لا يتأتى إلا بوجود دولة إسلامية تقوم على أساس الاستخلاف في الأرض.

ومما سبق يتضح لنا عظيم المشكلة التي يعاني منها المسلمون اليوم في ظل غياب أية دولة إسلامية وفق المعنى الذي سبق تحديده، وإزاء هذه المشكلة لا بد من قيام جماعة تسعى بكل ما أوتيت من قوة لإعادة الشمولية للإسلام عمليا عبر إقامة الدولة الإسلامية، تحت طائلة إثم كافة المسلمين باعتبار أن الخلافة فريضة من فروض الكفايات، فإذا قام بها من هو أهل لها سقطت الفريضة عن الكافة، وإن لم يقم بها أحد أثم كافة المسلمين.

هذه الفريضة الكفائية كانت الدافع وراء قيام الحركة الإسلامية المعاصرة التي تسعى لتحكيم شرع الله في الأرض على المدى البعيد، فوجود هذه الحركة ليست حاجة لأبنائها والمنتمين إليها فحسب، بل هي ضرورة لسقوط الإثم العام عن كافة المسلمين[4].

[1] سيد قطب، معالم في الطريق، دار الشروق، بيروت، ص 59.

[2] راشد الغنوشي، الحريات العامة قي الدولة الإسلامية، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، ص 104 .

[3] الإمام حسن البنا، مجموعة الرسائل،رسالة التعاليم، الأصول العشرون، الأصل الأول.

[4] سعيد حوى، الإسلام، دار عمار، بيروت / عمان، ص 353 .

المبحث الثاني: الدولة في الشرع الإسلامي - المطلب الثاني: قدم مفهوم الدولة لدى المسلمين

الوحدانية لله عز وجل لازمت أول الخلق آدم عليه السلام، والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: «الأنبياء أخوة.. ودينهم واحد» مسلم، فالرسالات السماوية بحسب أصولها وجوهرها واحدة، وفي دعوتها إلى الخضوع لله والاستسلام لأحكامه وتشريعاته واحدة، ويصح أن نسميها بالإسلام وأن نسمي عقائدها بالإيمان، وإن شئنا الدقة فإن الدين وفق هذا المنظار واحد )وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْأِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ( (آل عمران 85)، أما الشرائع فهي متغيرة بين نبي وآخر، وتعتبر شريعة النبي محمد صلى الله عليه وسلم الشريعة الخاتمة التي نزلت على النبي الخاتم والتي نسخت العمل بمنهاج الرسالات الربانية السابقة فيما جاء فيها من تعديل أو تبديل[1]، والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: «والذي نفس محمد بيده لو بدا لكم موسى فاتبعتموه وتركتموني لضللتم عن سواء السبيل ولو كان حيا وأدرك نبوتي لاتبعني» سنن الدارمي، ويقول e أيضا: «مثلي ومثل الأنبياء من قبلي كمثل رجل ابتنى بيوتا فأحسنها وأجملها وأكملها إلا موضع لبنة من زاوية من زواياها فجعل الناس يطوفون ويعجبهم البناء فيقولون: ألا وضعت هاهنا لبنة فيتم بنيانك فكنت أنا اللبنة» مسلم.

لذلك فإن القول بأن دولا قامت على التوحيد قبل النبي محمد صلى الله عليه وسلم لا يصبح مستهجنا، ولكن بالتأكيد فإنه لم تقم أية دولة وفق الشريعة الإسلامية الخاتمة قبل بعثة الرسول محمدصلى الله عليه وسلم وقبل قيام الدولة إثر الهجرة من مكة إلى يثرب التي أصبحت المدينة المنورة بعد ذلك. هذه الدولة قامت على التوحيد كعقيدة وعلى الأحكام الشرعية التفصيلية كنظام، لم تفرق بين دين ودنيا، وبين عبادة وسياسة، وقد قيل بحق إنها كانت أول دولة مدنية في العالم، وهي دولة مرت بمراحل عديدة[2]، لكنها في جميع مراحلها حافظت على ركنين بنيت عليهما: التوحيد لله والتحكيم لشرعه، سواء كان التقيد بهذا الشرع دقيقا أو غير ذلك مما أصاب الحكام والرعية على مدى الأحقاب التي مرت على الدولة الإسلامية تاريخيا[3].

[1] عبد الرحمن حبنكة، العقيدة الإسلامية، دار القلم، دمشق، ص 78

[2] المراحل التي مرت بها الدولة الإسلامية هي: طور الخلافة الراشدة، الخلافة الأموية الأولى حتى نهاية عهد يزيد، خلافة ابن الزبير، الخلافة الأموية الثانية حتى نهاية عهد مروان بن محمد، الخلافة العباسية حتى سقوط بغداد، الخلافة العباسية في القاهرة حتى استيلاء السلطان سليم عليها، وقد انتهت الخلافة العثمانية سنة 1924 على يد مصطفي كمال أتاتورك بعد جهد مضن من أعداء الدين الإسلامي، نقلا عن كتاب الإسلام لسعيد حوى ص346.

[3] سعيد حوى، الإسلام، دار عمار، بيروت / عمان، ص 346.

المبحث الثاني: الدولة في الشرع الإسلامي - المطلب الثالث: نظرة الإسلام إلى وظائف الدولة

قلنا إن النظرة الإسلامية لوظيفة الدولة تعتبر نظرة وسيطة بين الفرد والجماعة، هذه النظرة يطبقها الغرب اليوم أو يسعى لتطبيقها، وبطبيعة الحال هذا لا يعني أن كل من يتبنى المذهب الاجتماعي في وظيفة الدولة سيصبح نظامه إسلاميا، لأن الدولة الإسلامية ليست إلا الجهاز السياسي لتحقيق مُثُل الإسلام العليا كدين وشريعة خاتمة ولذلك فواجب الدولة وفق المفهوم الإسلامي احترام وتجسيد التعاليم الإسلامية كافة[1].

كما أن النظرة الإسلامية للسياسة قائمة على أساس الاستخلاف في الأرض ما يحدد مجال سلطان الله في حياة البشر، وهذا هو المعيار الفاصل بين اعتبار الدولة إسلامية أو غير إسلامية وليس مجرد النص في الدستور على أن "دين الدولة الرسمي الإسلام" أو "أن الدولة تحترم الأديان السماوية" أو غير ذلك مما يدرج في الدساتير ولا يكون له أي تأثير على التشريع أو على شكل الحكم ومقوماته.

يقول الشهيد عبد القادر عودة "ونظام الحكم الذي يعرفه الإسلام هو الحكم القائم على دعامتين: إحداهما طاعة الله واجتناب نواهيه، والثانية الشورى، أي أن يكون أمر الناس شورى بينهم فإذا قام الحكم على هاتين الدعامتين فهو حكم إسلامي خالص وليسُم بعد: الخلافة والإمامة والملك، فكل هذه تسميات لا غبار عليها، أما إذا قام على غير هاتين الدعامتين فهو حكم لا ينسب للإسلام[2].

وبناء عليه فإن المبدأ الأساس الذي تقوم عليه الدولة الإسلامية هو طاعة الله عز وجل لا طاعة الأهواء والشهوات، ثم فتح المجال أمام الأمة للتعبير عن نفسها عبر مبدأ الشورى المستمد من مبدأ طاعة الله، وكلاهما ثمرة طبيعية لنظرية الاستخلاف في الأرض.قال تعالى: )وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً( (البقرة: 30)، وقال: )يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ( (ص: 26)، وقال: )أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ( (النمل:62).

[1] محمد أسد، منهاج الحكم في الإسلام، ترجمة منصور ماضي، دار العلم للملايين، بيروت ص 70. وما بعدها.

[2] عبد القادر عودة، الإسلام وأوضاعنا القانونية، دار الكتاب العربي، القاهرة، ص 124.

الفصل الثاني: الحركة الإسلامية المعاصرة (الإخوان المسلمون)

المبحث الأول: التأسيس والمؤسس - المطلب الأول: التأسيس

في العام 1928م اجتمع رجل يدعى حسن البنا بخمسة من الرجال المؤمنين المخلصين في بيت من بيوت مدينة الإسماعيلية على قناة السويس بمصر وتعاهدوا على تشكيل أول نواة حركية من أجل هدفين أساسين:

"1- أن يتحرر الوطن الإسلامي من كل أجنبي …

2- أن يقوم في هذا الوطن الحر دولة إسلامية حرة تعمل بأحكام الإسلام، وتطبق نظامه الاجتماعي، وتعلن مبادئه القويمة، وتبلغ دعوته الحكيمة إلى الناس…"1. وقد كانت أحوال المسلمين على درجة كبيرة من الانحطاط خصوصا بعد سقوط الخلافة عام 1924م فكان لا بد للعمل على إعادة الأمة إلى أمجادها "عبر الفرد المسلم والبيت المسلم والشعب المسلم والحكومة المسلمة والدولة التي تقود الدول الإسلامية"2.

وبما أن هؤلاء الفتية قد آمنوا بربهم، مسلمين إليه، متآخين فيه، فقد أسموا أنفسهم "الإخوان المسلمون"، ومنذ ذلك التاريخ نشأت الحركة الإسلامية ببعدها التنظيمي، وما لبثت أن انتشرت دعوتها انتشار النار في الهشيم في مصر، ومن بعدها في جميع أقطار العالم العربي والإسلامي، في الشرق والغرب حتى غدت حركة عالمية هي الآن كبرى الحركات الإسلامية في العالم. 3

1 أنظر: كتاب الرسائل، وانظر أيضا: كتاب رسائل شباب الدعوة للشيخ جاسم المهلهل، ج1، ص280.

2 أنظر في كتاب الرسائل.

3 فتحي يكن، الموسوعة الحركية، مؤسسة الرسالة، بيروت، قسم: الإخوان المسلمون

المبحث الأول: التأسيس والمؤسس - المطلب الثاني: شخصية المؤسس

لم يكن ذلك الشاب الذي بالكاد تجاوز العقد الثاني من عمره لحظة تأسيسه الحركة، والذي يدعى حسن البنا، بالشخصية العادية بل كان مجددا في الدين وقد وصفه البعض بأنه مجدد القرون السبعة الماضية على عصره وليس مجددا لقرن واحد فقط، وقد أعطته نفسه مقاليد القيادة كاملة[1].

ولد حسن البنا بمدينة المحمودية بمحافظة البحيرة بمصر في 17 تشرين الأول عام 1906 م وكان أبوه أحمد عبد الرحمن البنا من العلماء العاملين حيث اشتغل بعلوم السنة وله مصنفات في الحديث الشريف أهمها "الفتح الرباني لترتيب مسند الإمام أحمد "وكان يجلّد الكتب ويصلح الساعات فلقب بالساعاتي.

نشأ الإمام حسن البنا في بيت طهر وصلاح فأنشأ مع زملائه في الدراسة "جمعية الأخلاق الأدبية"، ثم "جمعية منع المحرمات"، ثم انتقل إلى دار المعلمين في دمنهور عام 1920 حيث أتم حفظ القرآن الكريم قبل أن يتم الرابعة عشرة من عمره ثم انتقل بعد ذلك إلى القاهرة حيث انتسب إلى دار العلوم ثم تخرج منها عام 1927 وكان ترتيبه الأول في مصر.

حفظ حسن البنا إضافة إلى كتاب الله وآلاف الأحاديث النبوية، ما يربو على ثمانية عشر ألف بيت من الشعر ومثلها من النثر، كما اطلع على أقوال الفقهاء من مختلف المذاهب، وجالس إخوان الطريقة الحصافية من الفرق الصوفية بالمحمودية، وارتاد المكتبة السلفية في القاهرة، وناقش الأزهريين، وشارك في الحركة الوطنية ضد الاحتلال، واحتك بالناس من مختلف طبقاتهم في الإسماعيلية، فامتازت حركته بالشمول والعودة إلى الأصالة الإسلامية.[2]

وبالرغم من حداثة سنه لدى تأسيسه لهذا العمل العظيم فقد تمتع الإمام حسن البنا بميزات لم يتمتع بها أحد من معاصريه..هذا الرجل الذي يجهل شخصيته الكثيرون اليوم، ربى إخوانه على تقديس الدعوة لا الشخص، وعلى الاهتمام بتأليف الرجال قبل تأليف الكتب، وقد بنى البنا جيلا أناط به مهمة من أشرف المهام في الدنيا، تبليغ دعوة الله للناس كافة.

قال عنه الشيخ محمد الحامد أحد الأئمة الأعلام في الشام "إن المسلمين لم يروا مثل حسن البنا منذ مئات السنين..". وكتب عنه الشيخ أبو الحسن الندوي "إن كل من عرف ذلك عن كثب لا عن كتب وعاش متصلا به، عرف فضل هذه الشخصية التي قفزت إلى الوجود وفاجأت مصر ثم العالم العربي والإسلامي كله بدعوتها وتربيتها وجهادها وقوتها الفذة..". وقال عنه الأستاذ سيد قطب صاحب الظلال"من يقول إنها مصادفة -أي أن اسمه حسن البنا-والحقيقة الكبرى لهذا الرجل هي البناء وإحسان البناء بل عبقرية البناء"[3].

[1] سعيد حوى، المدخل إلى دعوة الإخوان المسلمين، دار عمار، بيروت / عمان، ص 179.

[2] لمزيد من التفصيل عن حياة الإمام، انظر في كتاب الرسائل / نبذة عن حياة الإمام، الدعوة الإسلامية فريضة شرعية للأستاذ صادق أمين، فصل: الإخوان المسلمون، الفكر الإسلامي المعاصر للأستاذ غازي التوبة،فصل المدرسة التربوية حسن البنا. وغيرها

[3] لمزيد من التفصيل فيما قيل عن الإمام انظر في كتاب المدخل إلى دعوة الإخوان المسلمين للأستاذ سعيد حوى، ص 179 وما بعدها.

المبحث الأول: التأسيس والمؤسس - المطلب الثالث: استشهاد المؤسس

رسّخ الإمام دعائم دعوته في الإسماعيلية حيث باشر في بناء مؤسسات الجماعة ثم انتقل إلى القاهرة ناقلا المركز العام للإخوان المسلمين إليها عام 1932م ثم توسعت حركته في مصر والعالم العربي لتصل مع نهاية الأربعينات إلى أطراف العالم الإسلامي، ذلك أن الإمام كان يرسل البعوث إلى مختلف أقطار العالم ليتفقدوا أحوال الأمة وينشروا فيها دعوته، وقد أزعجت هذه الحركة دول الاستعمار الكبرى خصوصا بعد مشاركة الإخوان في حرب العام 1948م، ضد العصابات اليهودية على أرض فلسطين، وقد اجتمع قناصل الدول الكبرى (بريطانيا وفرنسا وأميركا) في تشرين الثاني من العام 1948م وطلبوا من السفير البريطاني أن يطلب من الملك فاروق إصدار أمره بحل جماعة الإخوان ومصادرة أموالها واعتقال رجالها العائدين من القتال في فلسطين، وذلك بعد النكبة وتوقيع الهدنة، فيما أُبقي الإمام البنا وحده خارج السجن رغم محاولته ملازمة إخوانه المقبوض عليهم ولو داخل السجن، وقد فعل ذلك بالفعل إلا أن السلطات عادت فأطلقت سراحه، لأن الخطة كانت تقضي بقتله، وحل جمعيته، وهكذا رافع الإمام قبل استشهاده أمام مجلس الدولة ضد قرار الحل مرافعة استمرت أربع ساعات دون جدوى[1].

كان الإمام يصارح من تبقى من إخوانه بأنه يشعر بدنو الرحيل، وبأن سيدنا عمر ينبئه بصوت عالٍ في المنام بقوله: "ستُقْتل يا حسن"، وقبل الاغتيال بعدة أيام صادرت الحكومة بأمر من رئيسها النقراشي باشا سيارة الإمام حسن البنا وسائقها وسحبت سلاحه المرخص وقبضت على شقيقيه اللذين كانا يرافقانه في تحركاته، وما كان ذلك إلا تمهيدا لاغتياله الذي تم بالفعل أمام دار الشبان المسلمين بالقاهرة مساء السبت في 12شباط عام 1949، حيث لفظ الإمام حسن البنا آخر أنفاسه الطاهرة منتصف ليل السبت، والراجح أن الإمام لم يستشهد برصاص المغتالين ولكن بتركه يـنـزف في مكان استشهاده أو بالإجهاز عليه في غرفة العمليات ! وقد استكملت الحكومة المصرية جريمتها بعدم السماح لأحد أن يسير خلف نعشه غير أهله واشترطت لتسليم الجثة إلى الوالد أن يتم الدفن عند الساعة التاسعة صباحا وأن لا يقام عزاء! فخرجت جثته تحملها النساء!! إذ أن الوالد العظيم رفض أن يحملها قائلا للشرطة "أنتم قتلتموه..أنتم احملوه على أعين الناس.."، ولعل أحدا من غير عائلة الإمام لم يسر وراء نعشه إلا مكرم عبيد باشا الزعيم القبطي المنشق عن حزب الوفد الذي اخترق صفوف الشرطة وانضم إلى عائلته[2].

لم تنته حركة الإخوان باغتيال مؤسسها ومرشدها لأن الوقت الذي يمكن أن تقصم الحركة فيه كان قد فات، فقد استطال البناء على الهدم واستقوى على الاجتثاث، وكما يقول سيد قطب رحمه الله" يمضي حسن البنا إلى جوار ربه، يمضي وقد استكمل البناء أسسه، يمضي فيكون استشهاده على النحو الذي أريد له، عملية جديدة من عمليات البناء..عملية تعميق للأساس وتقوية للجدران وما كان ألف خطبة ولا ألف رسالة للفقيد الشهيد لتلهب الدعوة في نفوس الإخوان كما ألهبتها قطرات الدم الذكي المهراق.. إن كلماتنا تظل عرائس من الشمع حتى إذا متنا في سبيلها دبت فيها الروح وكتبت لها الحياة "، وهكذا كان، فقد خلّف الإمام وراءه جيلا من مئات الألوف، وأسس شجرة متينة تتساقط أوراقها الضعيفة في كل محنة ومنحة لتبقى شجرة نقية أصلها ثابت وظلالها الوارفة تظل المسلمين والدنيا بأسرها إلى أن يقضي الله أمرا كان مفعولا.

خاضت حركة الإخوان المسلمين بعد استشهاد مؤسسها الكثير من المواجهات من أجل عزة الأمة الإسلامية، ولا سيما في منبتها مصر، فكانت الضربات تلو الضربات بدءاً من حربها الطويلة ضد قوات الاحتلال البريطاني في قناة السويس عام 1951م وما جر ذلك عليها من نكبات، ثم التنكيل بالحركة عام 1954م ثم في العام 1965م وما تزال تضرب إلى اليوم، فلم يزدها ذلك إلا صلابة وقوة، وليحتل فكرها الأصيل ساحة الصراع في العالم... ولتستنبت من كل قطر ثلة ترفع لواء هذه الدعوة.

تعتبر حركة الإخوان المسلمين أم الحركات الإسلامية بحق، والحركات الإسلامية الأخرى إما خرجت من عباءتها أو تأثرت بالبعث الإسلامي الذي أطلقته، ذلك أن الفكر الإسلامي لكتّاب الحركة قد فرض نفسه على جميع من تلاه فتأثر به الجميع سواء شعروا بذلك أم لا.. لذلك كان صحيحا إلى درجة كبيرة أن يبدأ التأريخ للحركة الإسلامية الحديثة من لحظة اجتماع الإمام بإخوانه في ذلك البيت المتواضع على القناة[3].

[1] المرجع السابق، رسائل شباب الدعوة للشيخ المهلهل، ج 1، ص 270.

[2] لمزيد من التفصيل في حادثة الاغتيال راجع المدخل إلى دعوة الإخوان المسلمين، ص 193 وما بعدها.

[3] للاطلاع على الإرهاصات الأولى لولادة الحركة الإسلامية المنظمة، انظر ص 91 من هذا الكتاب.

المبحث الثاني: مفهوم الحركة الإسلامية - المطلب الأول: تعريف الحركة الإسلامية وبيان ميزاتها

الحركة الإسلامية مصطلح يعبر عن التنظيم الذي يعمل لتحكيم شرع الله، وقد بات واضحا الآن أهمية هذه التنظيمات و مبرر وجودها بعد انهيار الخلافة الإسلامية عام 1924م.

هذا التعريف يضع للحركة الإسلامية ركنين:

1- التنظيم.
2- الإسلام.

فالتنظيم هو الشكل الذي تفرغ فيه جهود جماعية لتحقيق غرض مرسوم، أما الإسلام فهو الديانة الربانية الشاملة في شقها الاعتقادي والسلوكي، ولذلك فكل فصيل من فصائل الحركة الإسلامية -يقوم بين أفراده نوع من أنواع التنظيم ولو كان بسيطا ويهدف إلى تحكيم شرع الله في الأرض، حتى ولو كان من خلال عمله يركز على جانب دون آخر- يدخل في إطار الحركة الإسلامية.

أهم ميزات هذه الحركة:[1]

أ- على مستوى التنظيم:

الرباط الإيماني إلى جانب الرباط التنظيمي: بين أفراد التنظيم.

الوفاء للمبادئ: التي تطرحها الحركة انطلاقا من الوفاء للشريعة الغراء التي تطرحها مهما بلغت التضحيات.

التدرج في الخطوات: بحيث تتهيأ الظروف الملائمة لكل خطوة في الطريق الطويل، ودون تزلف أو مداهنة لأحد.

ب- على مستوى الطرح الإسلامي:

الربانية: لأن هدف الحركة الأخير إرجاع الناس إلى ربهم فهي تلبية لأمر الله في طاعته.

الشمولية: في الطرح الإسلامي لأن الإسلام نظام كامل متكامل.

العالمية: لأن الحركة الإسلامية دعوة خلاص إلى كل البشرية في كل بقاع الأرض.

الوسطية: في الأسلوب والمضمون، فالدعوة لا تتم إلا بالحكمة والموعظة الحسنة وبالابتعاد عن مواطن الخلاف ما أمكن.

[1] انظر: نحو حركة إسلامية عالمية واحدة للدكتور فتحي يكن، الدعوة الإسلامية لصادق أمين، الحل الإسلامي فريضة وضرورة للدكتور يوسف القرضاوي.

المبحث الثاني: مفهوم الحركة الإسلامية - المطلب الثاني: تيارات الحركة الإسلامية

الحركة الإسلامية عند أهل السنة وفق ما تقدم تضم بين جنباتها عدة تيارات:

1- تيار الإخوان المسلمين خصوصا، وكل الحركات التي تأثرت بفكر الإمام البنا عموما.
2- التيار السلفي عموما، والحركات المنظمة الجهادية وغير الجهادية التي أفرزها خصوصا[1].
3- التيار الصوفي عموما، والحركات المنظمة التي أفرزها خصوصا.
4- تيار أهل الدعوة المعروف باسم جماعة الدعوة والتبليغ.

أما لدى الشيعة فإن الحركة الإسلامية تتقاطع مع نظام ولاية الفقيه وتتلون تياراتها متأثرة بألوان هذا النظام.

أما بعض من ينسبون أنفسهم للإسلام زورا، ويدّعون احتكار تمثيله، ويكفرون الخارج عنهم، فلا يمكن إلحاقهم بالحركة الإسلامية الواعية، بل إن بعضهم يصبح بقاؤه ضمن دائرة الإسلام محل شك، ومن هؤلاء:

- الحركات التكفيرية التي كفّرت المسلمين واستحلت دماءهم، وانتهجت منهجاً دمويا في قتالها من أجل تحكيم شرع الله.

- الحركات البدعية التي ابتدعت في الدين ما ليس منه، فوقعت في دائرة التخريف والبدع ثم انزوت في الزوايا والتكايا وعملت مع المشبوهين ضد الأصيلين من أبناء الحركة الإسلامية.

- الحركات المشبوهة التي تداهن السلطة القائمة وتعمل لحسابها في مواجهة الحركة الإسلامية لتكون عينا لها وخنجرها المزروع في خاصرة العمل الإسلامي.

- الحركات المنحرفة التي تقوم على الترويج لعقيدتها الفاسدة وبدعيّاتها الذميمة.

وقد تقوم حركات تضم مزيجا من هذه الانحرافات أو بعضها بحيث لا يمكن تصنيفها في خانة واضحة[2].

بقي أن نشير إلى العاملين للإسلام من خلال المؤسسات التعليمية أو الخيرية الخاصة أو الحكومية، أو الجهاز الحكومي الذي يقوم على رعاية شؤون المسلمين وأوقافهم، فهؤلاء وإن كانوا لا يدخلون ضمن مصطلح الحركة الإسلامية لعدم وجود تنظيم فيما بينهم، إلا أنهم إسلاميون يقومون بخدمات جليلة للإسلام والمسلمين، فضلا عن أن الكثير منهم ينتمي فكريا أو تنظيميا إلى عدد من المشارب والحركات الإسلامية، وكذلك هي الحال بالنسبة للعديد من المربين والعلماء والعاملين للإسلام الذين يعملون فرادى دون أي تنظيم يجمعهم، فهؤلاء أيضا إسلاميون يقومون بدور غير منكور في خدمة الإسلام وأهله.

[1] لا بد أن نميز هنا بين المنهج السلفي كعمل حركي منظم وبين السلفية كمنهج فقهي، لأن تيار الإخوان المسلمين يضم بين جنباته السلفيين والمقلدين والصوفيين..

[2] قريبا من ذلك مجملا انظر: ليس من الإسلام، الإمام محمد الغزالي.

المبحث الثاني: مفهوم الحركة الإسلامية - المطلب الثالث: تيارات الحركة الإسلامية بين التكامل والتضارب

التنوع في الحركة الإسلامية المتمثل في تياراتها التي فصلّناها آنفا يعد عامل غنى وقوة لا عامل تخلف وضعف، وإن كان هذا الأمر هو بالضبط ما يريده أعداء الإسلام الذين يحاولون جاهدين ضرب هذه التيارات ببعضها بعدما عجزوا عن ضربها مجتمعة ومتفرقة، كما عجزوا من قبل عن ضرب الإسلام كعقيدة ومنهاج على المستوى النظري، فلكلٍ فضله في الدفـاع عن الإسلام، وتنوع الأفهام والأطباع من الفطرة البشرية، ولذلك فإنه من الطبيعي جدا أن نلمس مناهج مختلفة من العمل تحت ظلال الشريعة الخالدة، بل إن من غير الطبيعي عكس ذلك، لأن الإسلام دين العلم والحرية الذي يطلق العقول من عقالها ويحررها من أسر التقليد الأعمى[1]. وإذا كان الواقع في أحيان كثيرة يظهر أنه مجاف لهذه النظرة واجبة الاتباع، فإن أي تضارب لا يمكن أن يعزى إلا إلى قلة الدراية بتصور العمل للإسلام أو إلى ضعف التربية على ذلك، وربما يكون للنفوس حظوظ في أي تضارب قد يقع بين تيارات الحركة الإسلامية، لكن الواعين المدركين هم الأغلب على كل حال من غيرهم، وعلى هؤلاء يقع عبء المعالجة سواء بين قادة الحركات الإسلامية أو بين هؤلاء القادة وأتباعهم الذين لم يستكملوا شرائط الفهم الصحيح للإسلام بعد.

[1] سعيد حوى، جند الله تخطيطا، دار عمار، بيروت / عمان، ص 30

المبحث الثاني: مفهوم الحركة الإسلامية - المطلب الرابع: المسلم والإسلامي

لئن كان مصطلح الحركة الإسلامية يطلق على التنظيمات العاملة للإسلام فـإن الأفراد الذين يحملون همّ الإسلام على عواتقهم ويسلكون دربه يطلق عليهم اصطلاحا لفظ "الإسلاميين" تمييزا لهم عن عموم المسلمين غير العاملين للإسلام، فكل إسلامي مسلم وليس كل مسلم إسلامي، لأن الإسلاميين هم جماعة من المسلمين وليس كل المسلمين، هذه الجماعة تقوم بالواجب الكفائي المتمثل بالعمل على إقامة حكم الله في الأرض.

الفصل الثالث: الحركة الإسلامية والتنظيم الحزبي

المبحث الأول: التنظيم الحزبي - المطلب الأول: مفهوم الحزب

الحزب هو: 'أيديولوجيا يلتقي عليها جمع مؤمن بها بهدف نشرها بطريقة منظمة'1، ومعنى ذلك أن العناصر الأساسية لأي حزب هي:

1- المعتقد 'الأيديولوجيا'

سواء كان معتقدا اقتصاديا أو ثقافيا أو دينيا أو اجتماعيا أو كلها معا، والمعتقدات التي يرتكز عليها الحزب قسمان:

- معتقدات شاملة تتبناها الأحزاب الشمولية التي تقوم على معتقدات تطال جميع مناحي الحياة دينيا واقتصاديا وثقافيا واجتماعيا وسياسيا وغيرها.

- معتقدات غير شاملة تتبناها أحزاب غير شمولية أو متخصصة، تقوم على معتقدات محددة في الجانب الثقافي أو الاقتصادي أو غيره.

ومما لا شك فيه أن الأحزاب الشمولية هي الأقوى والأقدر على تغيير مجريات أحداث التاريخ، إلا أن هذه الأحزاب معرضة أكثر من غيرها للتشققات لأنها تتطلب من أفرادها انسجاما في جميع المعتقدات التي يقوم عليها الحزب، بعكس الأحزاب غير الشمولية التي يكفي فيها الانسجام في معتقد محدد مع ترك الحرية بالاعتقاد في الجوانب الأخرى.

2- العنصر البشري

المنتمون إلى الحزب أو المؤمنون بطروحاته ركن من أركان الحزب، وهؤلاء ينقسمون بطبيعة الحال إلى قاعدة وقيادة، فالقاعدة هي العناصر التي تنتمي إلى الحزب دون أن تكون لها مهمات قيادية عليا، أما القيادة فهي الشريحة التي تقوم برسم سياسة الحزب وأخذ القرارات التي تجدها ملائمة، ولذلك فإن القاعدة، والحال كذلك، سوف تكون أضعاف القيادة حجما.

3- العنصر المادي

الحزب مهما كان فقيرا أو متواضعا في حجمه وقدراته، لا يمكنه أن يكون موجودا دون أن يعتمد على أموال منقولة وغير منقولة، لأن عملية نشر الدعوة الحزبية لا تتم بدون أموال منقولة مهما كانت قليلة، كذلك فإن الحزب لا بد له من مراكز ومؤسسات تابعة.

4- التنظيم

التنظيم هو العنصر الذي يربط كل العناصر السابقة، وهذا العنصر هو الذي يميز الحزب عن التيار، وكلما استطاع التيار تنظيم نفسه كلما اقترب من مفهوم الحزب.

وبناء عليه فإن بنية الحزب تتشكل من: معتقدات – عنصر بشري (قيادة وقاعدة)- عنصر مادي (منقول وغير منقول)- وتنظيم، ولا يهم بعد ذلك التسمية، سواء أطلق عليه حركة أو تنظيم أو حزب.

وهناك عنصر العسكرة الذي يرتبط بالسلاح ونوع صارم من التنظيم الداخلي، هذا العنصر إذا ما أضيف إلى الحزب فإنه يحوّله إلى ميليشيا، وهي نوع من الجيش الخاص الخاضع لذات الانضباط والتدريب لأفراد القوات المسلحة، غير أن الأعضاء يبقون مدنيين وينقسمون إلى قسمين، قسم عامل وقسم احتياط، يتبادلان الأدوار بينهما.

1 جان ماري رانكان، علم السياسة، ترجمة محمد عرب صاصيلا، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر، بيروت.

المبحث الأول: التنظيم الحزبي - المطلب الثاني: الأحزاب بين القوة والضعف

كما يمر الإنسان بمراحل مختلفة لجهة الضعف والقوة في حياته، تمر الأحزاب كذلك بمثل هذه المراحل، وقوة الأحزاب إنما تكون مبنية على قوة العناصر الأساسية التي تتكون منها، مجتمعةً أو اعتمادا على قوة أحد هذه العناصر، وبطبيعة الحال فإن قوة أحد العناصر الحزبية لا تأتي من فراغ وإنما من عدة عوامل تجعل عنصرا أو عدة عناصر قوية ما ينعكس قوة على الحزب وحركته، مع ضرورة التنبيه إلى القوة الحزبية بالكمون وبالفعل، ذلك أن كثيرا من الأحزاب تتمتع بقوة كامنة قائمة على رصيدها الفكري أو قوة المحازبين الكمي أو النوعي أو بالاعتماد على دقة تنظيمها وعراقة تاريخها أو بناءً على قدراتها المالية الكبيرة، إلا أن هذه الأحزاب ربما تكون لظروف معينة غير قادرة على إظهار قوتها بالفعل.

المبحث الأول: التنظيم الحزبي - المطلب الثالث: الأحزاب بين المركزية واللامركزية

الأحزاب المركزية هي الأحزاب التي تتخذ من تركيز السلطة في يد القيادة المركزية أساسا لها، بحيث تستأثر القيادة المركزية بجميع السلطات أو معظمها على أن تخضع باقي الوحدات للسلطة المركزية، أما الأحزاب غير المركزية فهي التي تقوم بتوزيع السلطة بين القيادة المركزية وباقي الوحدات غير المركزية سواء كانت مناطقية أو مؤسسية.

إن التجارب والأحداث أثبتت أن وجود لا مركزية معقولة أو مركزية مخففة، تساعد على مواجهة التحديات المختلفة التي تواجه الحياة الحزبية، فلا اللامركزية المطلقة مقبولة في الحياة الحزبية ولا المركزية الشديدة مستساغة، خصوصا في البلدان ذات المساحات الشاسعة التي تتعدد فيها حاجات الأقاليم المختلفة اقتصاديا واجتماعيا وسياسيا.

إلا أن تراخي القرار المركزي بشكل مفرط قد يؤدي إلى تفسخ الحزب أو على الأقل تناقضه وضعف خطابه العام، لذلك فإن معظم الأحزاب الحديثة تجمع بين مفهوم المركزية واللامركزية في تنظيم العمل الحزبي.

المبحث الأول: التنظيم الحزبي - المطلب الرابع: الأحزاب بين الجماهيرية والنخبوية

الأحزاب الجماهيرية هي الأحزاب التي يسمح نظامها الداخلي بانتساب أعداد كبيرة من الجماهير إلى العضوية التنظيمية. معنى ذلك أن النظام الداخلي للحزب سوف يعتمد سياسة اجتذاب الأعضاء وتنسيبهم إليه، ما يحقق له قوة سياسية ومالية غالبا.

إلا أن بعض الأحزاب تتبنى نظاما داخليا يهتم باجتذاب نوعيات معينة أو شرائح محددة دونما فتح المجال أمام عملية اجتذاب واسعة للجماهير عامة، فالأحزاب النخبوية أو أحزاب الأطر تعتمد خلافا لأحزاب الجماهير على النوع بدلا من الكم دون أن يعني ذلك أنها لا تتواصل مع الجماهير، بل تعتمد على نواة صلبة من النخب "الكاريزمية" التي تكون غالبا قادرة على تحريك الجماهير العريضة المؤيدة لهذا الحزب.

تاريخيا فإن أحزاب الأطر هي الأسبق، ومع الوقت اقتربت معظم الأحزاب من الجماهيرية لا سيما مع ظهور أحزاب الناخبين في فرنسا بالتوازي مع انتشار الديغولية والحركة الحزبية، التي قامت بثلاث وظائف هي: بناء الحياة السياسية وانتقاء المرشحين والدمج الاجتماعي، هذا الأمر أجبر أحزاب الأطر على بذل جهد أكبر لتنسيب العناصر الشابة فضلا عن المؤثرة، والتخفيف من هيمنة القيادة على القاعدة، ومع ظهور الاشتراكية ازدهرت الحياة الحزبية الجماهيرية التي ركزت على التنسيب الكثيف والقوة التنظيمية والشمولية والتفرغ الحزبي من خلال أشخاص يؤتمنون على الحزب ويحيون داخله، وقد حققت هذه الأحزاب نجاحات كبيرة على حساب أحزاب الأطر، فاضطرت هذه الأخيرة إلى التوجه الجماهيري لكن ذلك لم ينه الفروقات بين أحزاب النخب وأحزاب الجماهير وإن كان قلصها، فقد أبقت أحزاب الأطر مفهوم التمييز بين المنتسبين، أو تقسيمهم إلى شريحتين، إحداها النخبة الحزبية التي تمسك بزمام الأمور، بينما لا تتمتع باقي الجماهير إلا بقدر متواضع من القدرة على رسم السياسة العامة للحزب أو القدرة على تغيير قيادته[1].

[1] المرجع السابق.

المبحث الأول: التنظيم الحزبي - المطلب الخامس: التنظيم الإداري للأحزاب

تعتمد الأحزاب المتطورة، حسنة التنظيم، جهازا تسميه جهاز الأمانة العامة –أو أي مسمى آخر يختلف بالاسم ويتفق معه في المضمون- لإدارة شؤون العمل التنظيمي، جاعلة منه جهازا مستقلا ومؤثرا في كامل البنية التنظيمية الحزبية. يرأس هذا الجهاز أمين عام، ونائب له أو أكثر، ومسؤول للعلاقات العامة، كحد أدنى، ويعاونهم مجموعة عناصر يتغير عددها وفق ما تسمح به ظروف الحزب وحاجاته، ويقوم الأمين العام ومساعده بقيادة وتوجيه الحزب بالاعتماد على مجلس أو مكتب مركزي ومجالس أو مكاتب فرعية في كل ولاية أو محافظة أو إقليم حيث يكون لهذا الحزب انتشار، ويتدرج السلم التنظيمي إلى مكاتب أكثر فرعية في الأقضية أو الدوائر.

ويتشكل المجلس أو المكتب في الأحزاب الشمولية من عدة مسؤولين، لكلٍ منهم حقيبة يحملها، والصورة نفسها تنطبق على المراكز المناطقية الفرعية.

أما عن آلية انتخاب الأمين العام، فهي تختلف بين حزب وآخر، فمن الأحزاب من يولي أمر الانتخاب إلى عدد محدود من المنتسبين ممن وصلوا إلى مرتبة معينة، ومنهم من يوليها إلى جمهور المنتسبين، ومنهم من يوليها مجالس خاصة، أما رؤساء المكاتب فهم معينون من الأمين العام أو منتخبون من المنتسبين في المناطق وفق آلية محددة.

ولا شك أن الأمين العام لأي حزب هو واجهته التي يطل بها على الآخرين، والرأس الذي ينظّم عمل الجسد، لذلك تهتم الأحزاب الكبرى في اختيار أمينها العام لأن التوفيق في اختياره يعني سطوع نجم هذا الحزب لاحقا ولا سيما في المجتمعات العربية التي تركز كثيرا على الشخص وكاريزميته.

المبحث الثاني: تنظيم الحركة الإسلامية - المطلب الأول: جماهيرية الحركة الإسلامية

بعد الحديث باختصار عن مفهوم الحزب وتنظيمه ننتقل للحديث عن الحركة الإسلامية على وجه الخصوص.

المطلب الأول: جماهيرية الحركة الإسلامية

تعتمد الحركة الإسلامية على الجماهيرية[1] لأنها تخاطب أساسا كل الشرائح، ذلك أن ضرورات التغيير تفرض اجتذاب أكبر عدد ممكن من المؤمنين بالطرح الإسلامي والمنتسبين إليه لكن ليس بأي شروط، فخير للحركة الإسلامية أن تنكمش في عدد مناصريها على أن تنفتح بالمطلق إذا كان تنسيب الأعضاء الجدد إليها سوف يضر بسمعتها.

إن الأحزاب الإسلامية هي أكثر الأحزاب شمولية، ولذلك فإن إيمان الأفراد بالجماعة والتزامهم بتعاليمها دقيق وغير متوافر في كل الناس، لذا نرى أنه من الأرجى للحركة الإسلامية أن تتبنى الشعار التالي: تنسيب" الحد الأقصى من الناس بالحد الأدنى من الشروط التكليفية"، وليس "الحد الأقصى من الناس مهما كان مستوى الالتزام بالشروط التكليفية أو بالحد الأقصى من الشروط التكليفية". معنى ذلك أن الحركة الإسلامية تبحث عن كل مسلم أو مسلمة قادر بحد أدنى من الالتزام الديني على الانضمام إلى صفوفها دون أن يشكل انضمامه عامل ضعف للحركة يجرّأ عليها الألسنة، وهي ستسعى للارتقاء بهذا الالتزام لاحقا، أي أنها ستكون حريصة على ضم أكبر عدد ممكن إليها ولكن ليس بأي شروط كما أسلفنا.

[1] ظروف العمل الحركي في العديد من البلدان وشدة التقييد تفرض غير ذلك أحيانا.

المبحث الثاني: تنظيم الحركة الإسلامية - المطلب الثاني: تنظيم الحركة الإسلامية

شأنها شأن باقي الأحزاب تتكون الحركة الإسلامية من أجهزة مركزية وأخرى فرعية مناطقية، حيث يقوم جهاز الأمانة العامة ومجلس الشورى والمكاتب المركزية والفرعية، بصياغة القرار وتنظيم العمل. أما المطالب التي يـُهتم بها عادة كأساس للعمل الحركي الإسلامي فهي:

- الداخلية أو الأسر: وهو قسم يعنى بالمنتسبين للتنظيم.

- الدعوة: يعنى بنشر المبادئ الحركية التي تؤمن بها الجماعة.

- الخدمات الاجتماعية: يشرف على الخدمات الاجتماعية التي تقدمها الحركة.

- السياسة والإعلام: يشمل الحركة السياسية النقابية والبلدية والنيابية، وهيئات اتخاذ القرار السياسي، والمؤسسات الإعلامية التابعة، وأجهزة التعامل مع المؤسسات الإعلامية غير التابعة.

- الطلاب: يعنى بالطلاب في مدارسهم ومعاهدهم وجامعاتهم.

- الشباب: يعنى بالشباب في المؤسسات الرياضية والكشفية.

- المالية: يهتم بالشأن المالي للتنظيم.

المبحث الثاني: تنظيم الحركة الإسلامية - المطلب الثالث: عوامل قوة الحركة الإسلامية

تتمتع الحركة الإسلامية بتنظيماتها المختلفة بعناصر قوة عديدة أهمها:

أولا: هي الأقوى على الصعيد الفكري ولا سيما بعد التجديد الذي حظي به الفكر الإسلامي المعاصر على يد الإمام الشهيد حسن البنا وتلامذته العلماء العاملين حتى بزّ هذا الفكر غيره بمراحل.

ثانيا: قاعة المؤيدين العريضة المستمدة من تأييد الإسلام ورسالته أساسا مع أعداد غفيرة من المنتمين، وثلة مجربة من القياديين.

ثالثا: جذور الحركة الإسلامية الضاربة في التاريخ، وما اكتسبته لاحقا من مصداقية نتيجة تضحيات قياداتها وأفرادها، ونتيجة إنجازاتها في مقارعة المحتلين وتحرير الأوطان.

الفصل الرابع: مبادئ تنظيم الإخوان المسلمين

المطلب الأول: خصائص دعوة الإخوان المسلمين

حركة الإخوان المسلمين، أمّ الحركات الإسلامية وأكبرها، تأسست على يد الإمام حسن البنا وثلة من إخوانه عام 1928م في مدينة الإسماعيلية في مصر ثم انتشرت بعد ذلك بسرعة هائلة في أوساط المجتمع المصري حتى عمت العالم الإسلامي من خلال مراكز وجودها أو من خلال انتشار اتباعها، وهي جماعة من المسلمين وليست جماعة المسلمين وإن كانت تسعى لأن تكون جماعة المسلمين الواجبة الاتباع من خلال إقامة حكم الله في الأرض[1].

المطلب الأول: خصائص دعوة الإخوان المسلمين

1- الربانية: لأن أساسها هو تقريب الناس لربهم.
2- العالمية: لأنها موجهة للناس كافة.
3- الإسلامية: لأنها تنتسب إلى الإسلام.

إنها دعوة شاملة للإصلاح فهي كما -يقول الأستاذ البنا- دعوة سلفية وطريقة سنية وحقيقة صوفية وهيئة سياسية وجماعة رياضية ورابطة علمية ثقافية وشركة اقتصادية وفكرة اجتماعية. وهي تقوم على أركان ثلاثة: المنهاج الصحيح -العاملون المؤمنون- القيادة الحازمة الموثوقة.

أما عن أسلوب الحركة في التغيير فالأصل عند الإخوان أنه متدرج عبر إصلاح النفس -تكوين البيت المسلم- إرشاد المجتمع بنشر دعوة الخير فيه -تحرير الوطن من كل سلطان أجنبي غير إسلامي في شتى الأصعدة والمجالات- إصلاح الحكومة حتى تكون إسلامية بحق.

والإخوان في تعاملهم مع غيرهم يعتبرون أن الناس على أربعة صنوف:

- مؤمن بالدعوة يدعونه للانضمام إليها.

- متردد حيالها يوصونه أن يتعرف عليها عن كثب.

- نفعي يريد من وراء اتباعها مكاسب في الدنيا وهذا لا مكان له في دعوة الإخوان ما لم يتجرد من ذلك لأن دعوة الإخوان لا يـُطمع فيها إلا بالجنة.

- متحامل ساء ظنه بالإخوان فهذا يدعى له بأن يهديه الله ويبين له درب الصواب.

[1] سعيد حوى، المدخل إلى دعوة الإخوان المسلمين، دار عمار، بيروت / عمان، ص

المطلب الثاني: أصول دعوة الإخوان المسلمين

لقد حدد الأستاذ البنا فهم الجماعة للإسلام بأصول عشرين هي:

1- الإسلام نظام شامل يتناول مظاهر الحياة جميعا..
2- القرآن الكريم والسنة المطهرة مرجع كل مسلم في تعرف أحكام الإسلام، ويـُفهم القرآن طبقا لقواعد اللغة العربية من غير تكلف ولا تعسف ويرجع في فهم السنة إلى رجال الحديث الثقات.
3- ..الإلهام والخواطر والكشف والرؤى ليست من أدلة الأحكام الشرعية ولا تعتبر إلا بشرط عدم اصطدامها بأحكام الدين ونصوصه.
4- التمائم والرقى والودع والمعرفة والرمل والكهانة[1]، وادعاء معرفة الغيب، كل ما كان في هذا الباب منكر تجب محاربته، إلا ما كان آية من قرآن أو رقية مأثورة.
5- رأي الإمام ونائبه فيما لا نص فيه فيما يحتمل وجوها عديدة وفي المصالح المرسلة معمول به ما لم يصطدم بقاعدة شرعية..
6- كل أحد يؤخذ من كلامه ويترك إلا المعصوم،.. ولكنا لا نعرض للأشخاص بطعن أو تجريح ونكلهم إلى نياتهم.
7- لكل مسلم لم يبلغ درجة النظر[2] في أدلة الأحكام الفرعية أن يتبع إماما من أئمة الدين ويحسن به مع هذا الاتباع أن يجتهد ما استطاع في تعرف أدلته،..وأن يستكمل نقصه العلمي حتى يبلغ أهل النظر.
8- الخلاف الفقهي في الفروع ليس سببا للتفرّق في الدين، ولا يؤدي إلى خصومة أو بغضاء، ولكل مجتهد أجره...
9- كل مسألة لا ينبني عليها عمل فالخوض فيها من التكلّف الذي نهينا عنه شرعا..
10- .. آيات الصفات وأحاديثها الصحيحة وما يلحق بذلك من المتشابه نؤمن بها كما جاءت من غير تأويل ولا تعطيل.
11- كل بدعة في دين الله لا أصل لها استحسنها الناس بأهوائهم سواء بالزيادة فيه أو بالنقصان منه ضلالة تجب محاربتها والقضاء عليها بأفضل الوسائل التي لا تؤدي إلى ما هو شر منها.
12- البدعة الإضافية والتَركية والالتزام بالعبادات المطلقة[3]، خلاف فقهي، لكل فيه رأيه ولا بأس بتمحيص الحقيقة بالدليل والبرهان.
13- محبة الصالحين واحترامهم والثناء عليهم بما عرف من طيب أعمالهم قربة إلى الله تعالى...
14- زيارة القبور أيا كانت سنة، بالكيفية المأثورة ولكن الاستعانة بالمقبورين أيا كانوا ونداءهم لذلك.. والتمسح بها والحلف بغير الله وما يلحق بذلك من المبتدعات كبائر تجب محاربتها، ولا نتأول لهذه الأعمال سدا للذرائع.
15-الدعاء إذا قرن بالتوسل إلى الله بأحد من خلقه خلاف فرعي في كيفية الدعاء وليس من مسائل العقيدة[4].
16- العرف الخاطئ لا يغيّر حقائق الألفاظ الشرعية بل يجب التأكد من حدود المعاني المقصود بها والوقوف عندها كما يجب الاحتراز من الخداع اللفظي في كل نواحي الدين والدنيا، فالعبرة بالمسميات لا بالأسماء.
17- العقيدة أساس العمل، وعمل القلب أهم من عمل الجارحة، وتحصيل الكمال مطلوب في كليهما شرعا وإن اختلفت مرتبتا الطلب.
18- الإسلام يحرر العقل، ويحث على النظر في الكون ويرفع قدر العلم والعلماء ويرحب بالصالح النافع من كل شيء والحكمة ضالة المؤمن أنى وجدها فهو أحق الناس بها..
19- .. لن تصطدم حقيقة علمية ثابتة بقاعدة شرعية صحيحة ويؤول الظني منهما ليتفق مع القطعي، فإن كانا ظنيين فالنظر الشرعي أولى بالاتباع حتى يثبت العقلي أو ينهار.
20- لا نكفّر مسلما أقر بالشهادتين وعمل بمقتضاهما وأدى الفرائض برأي أو معصية إلا إن أقر بكلمة الكفر أو أنكر معلوما من الدين بالضرورة أو كذّب صحيح القرآن أو فسره على وجه لا تحتمله أساليب اللغة العربية بحال، أو عمل عملا لا يحتمل تأويلا غير الكفر.

[1] التمائم مفردها تميمة وهي خرزات كان العرب يعلقونها ويدعون أنها تقي من العين، والرقى المقصودة هنا هي العوذات التي لم يرد بها كتاب ولا سنة، أما الودع فهو شيء أبيض يجلب من البحر ويعلق في رقاب الصبيان لجلب الحظ، والرمل هنا هو البحث في المجهولات بخطوط تخط على الرمل وهو من الخرافات.

[2] المقصود هنا في درجة النظر أدنى درجات الاجتهاد، فمن كان مجتهدا فهو مكلف في السير على ما يوصله إليه اجتهاده، أما من لم يصل إلى هذه الدرجة فهو مكلف أن يسير على رأي من اقتنع أن معه الحق من الأئمة، ويحسن به الاطلاع على أدلة إمامه، أما العامي الذي لا يحسن الاطلاع على رأي إمامه فمذهبه مذهب من أفتى له، أو عليه أن يتبع مذهبا من المذاهب جملة.

[3] - البدعة الإضافية هي ما شرعت بأصلها دون وصفها باعتبار الوقت والكيفية وباعتبار إخراج الفعل عن وصفه الأصلي وباعتبار وضعه في غير موضعه، فمثلا صلاة النصف من شعبان أصلها مشروع وهو الصلاة ولكن الوقت المخصص بدعة، والتلحين في الآذان بدعة ولو كان الأصل أن الآذان شعيرة من شعائر المسلمين.

- البدعة التركية هي ترك الفعل من غير اعتبار شرعي تدينا، لما فيه من المعارضة للشارع في شرعية التحليل مثل ترك تناول الطيبات والزواج.

- أما بدعة الالتزام بالعبادات المطلقة فهي تحديد ما أطلقه الشارع من أقوال وأفعال بزمان أو مكان أو عدد لم يكن الشارع حدده بذلك مثل الذكر والاستغفار عندما يقيد بزمن معين لم يرد به الشارع.

[4] على اعتبار أن في ذلك خلاف في الفقه ما دام أن الحالف لا يعتقد في المتوسل به نفعا ولا ضرا.

المطلب الثالث: البيـعــة

هي عهد على طاعة الله ورسوله وعلى السمع والطاعة للأمير المسلم، وقد أعطاها المسلمون لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولأولي الأمر من بعده لقوله صلى الله عليه وسلم: «من خلع يدا من طاعةٍ لقي الله يوم القيامة ولا حجة له، ومن مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية» مسلم.

والبيعة بالمفهوم الحركي هي عقد بين الحركة ممثلة بقيادتها والمنتمي للحركة، يلتزم فيه كل طرف بالوفاء بما التزم به، وهي ممكنة التكرار توكيدا للعهد.

ينبغي الإشارة في هذا المجال أن بيعة إمام المسلمين واجبة على كل مسلم لأنه يمثل جماعة المسلمين، أما البيعة للتنظيم فهي جائزة وليست واجبة لأن هذه الجماعة تمثل جماعة من المسلمين، تعمل على أن تكون جماعة المسلمين، لكنها ليست هي جماعة المسلمين، ما لم تقم الدولة الإسلامية، ولذلك يعتبر نقض البيعة للخليفة عمدا معصية توجب مقاتلة مرتكبها، أما نقض البيعة للجماعة الإسلامية فإنها تعتبر بمثابة نقض للعهد.

ومن الفروقات أيضا أن بيعة إمام الأمة تكون شاملة لجميع المسلمين ولا تراعى فيها شروط العضوية كما في التنظيم[1]. يقول الإمام البنا: "أركان بيعتنا عشرة فاحفظوها: الفهم والإخلاص والعمل والجهاد والتضحية والطاعة والثبات والتجرد والأخوّة والثقة"[2].

[1] محمد السيد الوكيل، القيادة والجندية في الإسلام، فصل البيعة.

[2] الإمام البنا، الرسائل، التعاليم.

المطلب الرابع: الصفات الواجبة في حق الملتزمين

يجب على المسلم الملتزم بالإسلام المبايع للحركة الإسلامية أن يتمتع بجملة صفات زائدة على الملتزمين غير الحركيين فضلا عن عوام المسلمين، فهو يجب أن يكون:

- مؤمنا بالله، معتقدا بأحكام الإسلام جملة، موقنا بمفهوم الولاء والبراء، مستسلما لأوامر الله ورسوله، وقّافاً عند الحدود، ملتزما بدينه ما استطاع لذلك سبيلا.

- مُجِّدًا في نشر رسالة دينه إلى من يعرف ومن لا يعرف.. الدعوة جزء من كيانه، وانتصار الإسلام أغلى أمنياته.

- مجاهدا على الدوام، حال السلم يجاهد نفسه ويعد العدة لقتال عدوه ويتمنى الشهادة، وحال الحرب يطلب إحدى الحسنيين النصر أو الشهادة.

- باذلا وقته وماله في سبيل دعوته مستعدا للتضحية بالغالي والنفيس من أجلها.

- محبا لربه ولإخوانه يتمنى الخير للمسلمين ويؤثر على نفسه ولو كان به خصاصة، ينفع قومه وينصح لهم ويعمل على نهضتهم.

المطلب الخامس: مراتب العضوية

1- المقرّب – المحب: وهي الدرجة التي تسبق الانتماء التنظيمي، يكون فيها الأخ ملازما لحلقات الجماعة ودروسها ونشاطاتها.

2- المنتسب - النصير: وهي أولى درجات العضوية في الحركة وأقلها شروطا وواجبات.

3- العامل أو المنفذ أو المجاهد: هي الدرجة الثانية من درجات العضوية وفيها يكون العضو قد استكمل مواصفات التقوى والطاعة والجهاد، وهذه الدرجة تمنحه الحق في أن يمارس الأعمال القيادية في التنظيم.

4- النقيب: وهي أعلى درجات العضوية العادية، وإعطاء أحد الإخوة هذه الدرجة يعني إعطاءه حق التربية والتكوين وأخذ البيعة وإخراج القيادات والمشاركة في اتخاذ القرارات الكبرى ومعرفة أسرار الجماعة، الأمر الذي يتطلب ثقة كبيرة في هذا الأخ القيادي[1].

5- الركن: وهي من الدرجات العليا لقادة التنظيم، يتصف حاملها بصفات الرسل عموما وهي الصدق والأمانة والتبليغ والفطانة وحمل النفس على المطاوعة بالمعروف..

6- الداعية: درجة عليا لمسؤولي التنظيم في القطر يتصف حاملها بالعلوم الكثيرة والأخلاق الحميدة.

7- الأستاذ: أعلى درجات العضوية يتصف بها المرشد العام ونوابه وعدد قليل من قادة العمل الإسلامي الأعلام[2].

أما عن الشروط الخاصة بكل مرحلة والمدة الزمنية التي تتطلبها فهي تحدد في لوائح الحركة الداخلية وفق ظروف كل قطر.

أما عن النظام الذي ينتظم فيه الإخوة داخل الجماعة فهو نظام الأسر، يقابله نظام الحلقات بالنسبة للمقربين من الحركة غير المبايعين لها بعد.

[1] المرجع السابق، ص 72.

[2] سعيد حوى، جند الله تخطيطا، دار عمار، بيروت / عمان، ص 38-39.

المطلب السادس: نظام الأسر

بعد أن يؤدي الأخ البيعة ويعلن انتماءه للتنظيم يدخل في نظام الأسر وهو نظام داخلي يقوم على وحدات تنظيمية تتشكل كل منها من عدد لا يزيد عن عشرة في الغالب، ويراعى أن يكونوا متقاربين في الأعمار والأعمال والأفهام، ويلتئم شمل هذه الوحدة دوريا وتشكل أصغر خلية في التنظيم، كما أنها تمثل:

1- محضنا تربويا: يقوم بالتربية والتعليم أساسه القرآن الكريم وعلومه والسنة النبوية المطهرة، ويترافق ذلك مع بعض الأنشطة العبادية العامة والخاصة إضافة إلى الأعمال الرياضية والترفيهية.

2- رابطة أخوية: تعتبر الأسرة رباطا أخويا يشده الإيمان، لذلك فإن انعقاد الأسرة دوريا يعتبر هدفا بحد ذاته، لأنه دليل استمرار الجماعة وعافيتها.

3- إشتراكا ماليا: تقوم الأسرة بتعويد أفرادها على البذل والعطاء المالي لجماعتهم وتدريبهم على التكافل فيما بينهم كأسرة إذا اشتكى منها عضو تداعى له سائر الأعضاء بالدعم المالي والمعنوي.

4- لقاء اجتماعيا وسياسيا: تقوم الأسرة بإطلاع أعضائها بمستجدات الشأن السياسي، وتزودهم بتوجيهات الجماعة ونشراتها وتعميماتها، وهي بهذا تشكل خلية اجتماعية أخوية تضطلع بالشأن العام.

5- درسا علميا: يعين أفرادها على رفع مستواهم العلمي لما تزود به الأسرة أعضاءها من علوم دينية ودنيوية.

الفصل الخامس: الإسلاميون وعناصر الدولة

المبحث الأول: الأرض - المطلب الأول: الأرض في الشرع والقانون

الأرض في الأساس لله خالقها، وهو يورثها من يشاء، قال تعالى: )إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ( (الأعراف 128)، وقد أورث الله الأرض للذين آمنوا، قال تعالى: )وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ( (النور 55)، وميراث الأرض معناه التمكين من خلال عمارتها وإقامة دار الإسلام فيها، وهذا لا يتم إلا بعد انتشار الدعوة وبلوغها أطراف المعمورة.قال تعالى: )هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ( (الصف 9)، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ليبلغن هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار» الإمام أحمد والطبراني.

وإذا كان الأصل أن الأرض لله وقد أورثها لعباده المؤمنين إلا أن هذا الميراث يتناغم مع ميراث الدين الإسلامي للدين كله.. تتسع الأمة الإسلامية بقدر ما تتسع رقعة الأرض الإسلامية إلى أن تشمل الأرض بأسرها.

وإذا كان الاعتقاد الإسلامي يجعل الأرض تحت سلطان المسلمين بالمآل فإن واقع الحال والنصوص الشرعية تدعو المسلمين إلى تحكيم شرع الله كاملا في الأرض التي يقطنونها لتحويل تلك الأرض إلى دار عدل[1] ثم تتحد هذه الأقطار لتشكل وطنا واحدا يقسم إداريا بشكل معقول وفق معطيات اللغة أو الجغرافيا أو القومية أو غيرها.

وعلى ذلك فإن الأرض في المفهوم الإسلامي تنقسم إلى دار إسلام وهي الأرض التي يمكن فيها للمسلمين أن يقيموا شعائر دينهم، ودار كفر وهي الأرض التي لا يتمكن فيها المسلم من إقامة شعائره الدينية[2]، ودار الكفر هذه تنقسم إلى قسمين، قسم يسمى دار عهد وهي الأراضي التي ارتبطت مع بلاد الإسلام بعهد، وقسم يسمى دار حرب وهي الأراضي التي لم ترتبط بأي عهد مع بلاد الإسلام.

أما دار الإسلام فهي إما:

- دار عدل: تقام فيها شرائع الله كاملة.

- دار بغي: يسيطر عليها الخارجون على الإمام ولو أقاموا شرع الله.

- دار بدعة: يسيطر عليها المبتدعون الذين يظهرون بدعتهم.

- دار ردة: وهي الأرض التي ارتد أهلها أو سيطر المرتدون عليها.

- دار مسلوبة: وهي الأرض التي استولى عليها الكافرون من خارج أرض الإسلام.

ويمكن القول بأن هذه التقسيمات مبنية على أساس الواقع لا على أساس الشرع وهي محض صنيع الفقهاء في القرن الثاني الهجري[3]، وهي تقسيمات لم يرد بها قرآن ولا سنة، كما يمكن القول إن الجهاد لم يكن العلاقة الطبيعية بين المسلمين وغيرهم[4].

القانون الوضعي بدوره يصبغ الأرض بهوية قاطنيها الشرعيين، وهو يلتقي مع الإسلام في نظرته لهوية الأرض في النهاية، ذلك أن دار الإسلام هي الدار التي آمن أهلها بالإسلام وأقاموا حكمه فوق أرضهم دون قهر أو إكراه، أي أن سكان الأرض الأصليين هم الذين أعطوها الهوية الإسلامية، فالأرض -والحال هذه- إسلامية بنظر الإسلام وبنظر القانون الدستوري والقانون الدولي العام.

ووفق ما تقدم فإن بلادنا العربية هي دار إسلام ولو سادت فيها البدعة، وكثير من الأقطار الأخرى هي دار إسلام ولو سلبها الخارجون عن الإسلام من أهلها الأصليين، كما لا يمكن اعتبار كل البلاد غير الإسلامية ديارا للكفر حتى وفق التقسيم الذي وضعه الفقهاء الأوائل.

[1] تقام فيها شرائع الله كاملة.

[2] الشافعية اعتبروا أن المسلم إذا قدر على إظهار الدين في بلد من بلاد الكفر فقد صار البلد بالنسبة إليه دار إسلام والإقامة فيها أفضل من الرحلة عنها لما يترجى من دخول غيره في الإسلام.

أما الأحناف فإنهم يضعون ثلاثة شروط لاعتبار الأرض دار كفر:

1- أن لا يحكم فيها بالإسلام بتاتا ولو بجزء منه.=

2- أن تتصل بدار الحرب فلا يتخللها بلد من بلاد الإسلام.

3- أن لا يبقى مسلم ولا ذمي فيها آمنا بالأمان الأول أي أمان الإسلام، بل بنوع من الأمان مختلف.

أما أبو يوسف ومحمد من الأحناف فيعتبرون كل أرض ظهر فيها حكم الكفر دار كفر.

[3] وهبة الزحيلي، آثار الحرب في الفقه الإسلامي، دار الفكر، دمشق، ص 192

[4] عبد القادر عودة، التشريع الجنائي الإسلامي، مؤسسة الرسالة، بيروت، ج1، ص 118.

المبحث الأول: الأرض - المطلب الثاني: حب الأرض وحدوده

صحيح أن أرض المسلم رحيبة لا تحدها حدود، إلا أن ذلك لا يعني عدم ارتباط المسلم بالأرض التي ولد ونشأ وترعرع فيها واشترك مع أبنائها بتاريخ مشترك، فحب الأوطان من الإيمان كما جاء في الأثر، وحنين المسلم لأرضه صفة فطرية شعر بها الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه الكرام عندما هجّروا إلى المدينة المنورة، فآلمهم الابتعاد عن أرضهم حتى جرت أدمعهم، وقد قال الرسول صلى الله عليه وسلم لأصيل لدى وصفه مكة وحنينه إليها بعدما دمعت عيونه: «يا أصيل دع القلوب تقر»[1].

والقرآن الكريم مليء باللفتات التي تقر بالجانب العاطفي الناتج عن الارتباط بين الإنسان والأرض التي يقطنها كقوله تعالى: )الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ( (الحج 40)، وقوله: )لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ * إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ( (الممتحنة: 8-9)، وعموما فإنه لا شيء يمنع الإنسان أن يألف بعض الأشياء التي تحيط به لتتحول الألفة إلى علاقة في الذات، وبالتالي إلى حالة عاطفية تحنو، وتهفو، وترف إليها الأفئدة.

وإذا كان المسلم محبا لأرضه، يحن إليها، ويعمل جاهدا من أجل حريتها وعزتها، باعتبار أن عزة الأرض تعني عزة قاطنيها وحرية الأرض تعني حرية شاغليها، فإن المسلم لا يقبل أن تقيده الوطنية وتأسره معانيها التي تغلق على المسلمين الباب فيما وراء الحدود، ولا يقبل أن يتحول حبه لأرضه عبادة لها من دون الله، ولا يقبل أن يستبدل دينه من أجل أرضه، فيهاجر من الأرض التي أحبها من أجل دينه،[2] لقوله تعالى: )أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا( (النساء 97)، ولا يقبل المسلم أن يوصم بالأنانية من خلال الاهتمام بأرضه الضيقة وترك شعوب الأرض الأخرى دون أن يقدم لها العون، بحجة أنهم لا ينتمون لوطنه.

إن المسلم يعترف بالكيان السياسي الذي يرتبط مع أبنائه بتاريخ مشترك فيعتبر أن هذه الأرض وطنه بحكم الواقع والانتماء، ولكنه لا يتقيد بالحدود الجغرافية ولا بالتخوم الأرضية لأن حدود الوطنية لديه محكومة بالعقيدة التي تتسع إلى جميع أصقاع الأرض التي يتآخى فيها المسلمون[3].

هذا الفهم الواسع لحدود الوطنية لا يلغي احترام المسلم لكيانه السياسي وحدوده الجغرافية، فالتمايز بين البشر أمر واقع، والناس في الأصل شعوب وقبائل وأطباع وأجناس وألسنة، قال تعالى: )يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا( (الحجرات: 13)، والإسلام لم يفرض عليهم التخلي عن خصوصياتهم إذا ما اعتنقوه، لكنه هذّب هذه المشاعر وأدّبها، فقال تعالى: )إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ( (الحجرات: 14)، وقال رسول اللهصلى الله عليه وسلم: «الناس معادن خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا» البخاري، والسوابق الدستورية في عهد الخلافة الراشدة تعترف بهذه الخصوصيات ولذلك كانت التقسيمات الإدارية داخل الدولة الإسلامية تلحظ الجغرافيا (مصر، الشام، اليمن) وتلحظ القومية وتلحظ الأفكار السائدة من خلال اللامركزية السياسية فضلا عن اللامركزية الإدارية، فيقوم النظام القانوني والقضائي الخاص والمتميز فكريا وفقهيا مع تمايز الأقطار، ولكنه يلتزم بنظام الدولة المركزية عامة..ويقوم الجيش في كل قطر بمهمة حماية الحدود، ورفع اللواء، ويقوم في كل قطر تراثه الخاص الذي يعتز أبناؤه به.

كما أن واجب الدفاع عن الأرض يقوم بادئ ذي بدء على عواتق قاطني القطر المعتدى عليه فإن لم يستطيعوا رد العدوان فإن الواجب يتسع ليشمل القطر الأقرب فالأقرب وهكذا.

هذا الفهم الواسع للوطنية لا يقتصر على الإسلاميين، فالقوميون ينظرون إلى وطنهم الضيق على أنه جزء من الوطن القومي الكبير، والشيوعيون يفهمون وطنيتهم في ضوء البعد الأممي المرتكز على قاعدة حركة الطبقة العاملة، ولكن الفكر الإسلامي هو الوحيد الذي ينظر إلى البعد الإنساني للوطنية فيستوعب بذلك البعد القومي فضلا عن البعد الإقليمي الضيق[4].

ومع ذلك يجب عدم الخلط بين الاعتراف الطبيعي بخصائص القوميات المختلفة المنضوية تحت لواء الدولة الإسلامية وبين الاعتراف الواقعي بخصائص الكيانات السياسية التي قامت في بلاد المسلمين، فإذا كان احترام الخصوصيات في الحالة الأولى طبيعيا فإن التعامل مع مفردات الكيان السياسي الذي يعيش فيه المسلم يدخل في حكم الضرورة أو الحاجة أو الواقع في الحالة الثانية، ومن هذا المنطلق لا ينبغي أن يجد المسلم غضاضة في احترام جميع مفردات كيانه السياسي من علم ونشيد وطني ومناسبات وطنية وقانون داخلي يقيم العدل بين الناس ما لم يكن في ذلك محظور شرعي.

[1] رسائل الإمام الشهيد حسن البنا، مؤسسة الرسالة، ص 20.

[2] محمد حسين فضل الله، الحركة الإسلامية، دار الملاك، بيروت، ص 284-287.

[3] مجموعة الرسائل.

[4] الرسائل للإمام الشهيد حسن البنا، الحركة الإسلامية للسيد محمد حسين فضل الله، مذاهب فكرية معاصرة لمحمد قطب، الإسلام لسعيد حوى.

المبحث الثاني: الشعب - المطلب الأول: حال المسلمين بعد سقوط الخلافة

لا تقوم دولة دون شعب تحكمه، ولا تنتشر دعوة دون قوم يتبنونها، ثم يبثونها في الأقوام الأخرى..والناس هم غاية التنظيمات، واستقطابهم مطلب جميع الدعوات المفتوحة، والمسلمون جزء من البشرية يتميزون عن غيرهم بأنهم آمنوا بالإسلام العظيم بكل تعاليمه..ونتيجة لذلك تميزوا عن سواهم من الأمم في جميع جوانب الحياة، ثقافيا واجتماعيا ودينيا واقتصاديا وسياسيا، ومن مظاهر تميزهم البارزة دولتهم الإسلامية التي تتخذ من كتاب الله دستورا لها، ومن السنة النبوية شريعة مدنية وجزائية وإدارية تتصف بالعمومية والتجريد.

المطلب الأول: حال المسلمين بعد سقوط الخلافة

لقد قامت الدولة الإسلامية ردحا من الزمان، تضعف حيناً وتقوى أحيانا، حتى تغيرت حال المسلمين فزالت دولتهم وضربت عليهم الذلة والمسكنة والله تعالى يقول: )إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ( (الرعد: 11)، إلا أن طبيعة هذا الدين ُتجدد فيه الحياة، فلا تكاد تتيه جماعة من المسلمين حتى تتقدم جماعة أخرى لحمل الراية لقوله تعالى: )وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ( (محمد 28)، وما يكاد يمضي قرن حتى يبعث الله في الأمة من يجدد لها دينها لقول الرسولصلى الله عليه وسلم: «إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مئة سنة من يجدد لها دينها» سنن أبي داوود، وما يكاد ينتهي أعداء هذا الدين من الإجهاز على جذوة الإسلام في بقعة من الأرض حتى ينبلج نور الله في بقعة أخرى لقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين حتى يأتيهم أمر الله وهم ظاهرون» الشيخان والترمذي وأبو داوود وابن ماجة والإمام احمد والدارمي.

هذه هي طبيعة هذا الدين الذي لا يمكن أن يموت لأن كل دعوة غير الإسلام تحمل بذور فنائها في نفسها، وتحمل دعوة الإسلام بذور تجددها في ذاتها، فالله هو شارعها وهو الأعلم بالشريعة التي تصلح عليها حال البشرية )شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى» (الشورى 13).

إن ابتعاد المسلمين عن دينهم أواخر أيام الدولة العثمانية شكل إرهاصات لسقوط دولتهم، حيث سادت البدع، وعمّ التخلف وضربت الجاهلية أطنابها لدرجة أن دعوات المصلحين الذين دقوا نواقيس الخطر لم تجد آذاناً صاغية حتى وقعت الكارثة، ذلك أن الارتباط بين الدين والدولة لدى المسلمين أمر مفروغ منه والدول الثيوقراطية لا يمكن لها أن تستمر في الحياة بوجود شعب ابتعد عن التعاليم التي قامت على أساسها الدولة!!.

المبحث الثاني: الشعب - المطلب الثاني: حركة البعث الإسلامي

أراد بعض رجالات الأمة بعث روح النهضة الإسلامية من جديد فشكلوا بحركتهم الفردية أو شبه الجماعية، الإرهاصات الأولى لولادة الحركة الإسلامية الجماعية المنظمة على يد الإمام المجدد حسن البنا رضوان الله عليه، وقد كانت الإرهاصات الأولى قد بدأت مع الإمام جمال الدين الأفغاني (1838-1897م) ثم الإمام محمد عبده (1849-1905م) ثم الإمام محمد رشيد رضا (1865-1935م) حتى تسلّم أمانة هذا المشروع الإمام حسن البنا (1906م-1949م ) الذي طوره وقدمه للجمهور على شكل حركة إسلامية،[1] أحدثت تحولا كاملا من الجهل إلى المعرفة، ومن الظلام الدامس إلى النور المبين[2].. فجددت على المسلمين دينهم وأوجدت فيهم بعثا إسلاميا جديدا بعدما كاد اليأس يخنقهم.. وامتلأت المكتبة الإسلامية بكتب الإسلاميين العقدية والفقهية والحركية[3]..حتى انتقل المسلمون من حال الدفاع عن دينهم المفترى عليه إلى حال الهجوم على الدعوات والمذاهب الأخرى ليبينوا فسادها وتضاربها حتى ُوصف القرن العشرين بأنه قرن الصحوة الإسلامية التي ما تزال تكبر وتنتشر إلى هذا اليوم، وهي ماضية مستمرة إن شاء الله لأن الناس عائدون إلى الإسلام لا محالة، كي يسود ويظهر نوره لقوله تعالى: )هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ( (الصف: 9)، فالمستقبل لهذا الدين.. عن حق.. وعن يقين.. والإيمان بانتصار هذا الدين جزء من الإيمان بالدين نفسه.[4]

إن حال المجتمعات الإسلامية اليوم ليست بأحسن مما كانت عليه الحال أيام سقوط الخلافة، بالرغم من تحقيق مشروع النهضة الإسلامية انتصارات واضحة على الصعيد الفكري من خلال تخليص العقل المسلم من التخلف الذي ظن البعض ارتباطه بالإسلام، ومن الشبهات التي أثارها أعداؤه حوله، ومن التقليد الأعمى، والتغريب، والتبعية، وضيق الأفق، ومن البدع التي تنال من سلامة العقيدة… وقد تمكنوا إلى حد ما من توضيح معاني الإسلام الحقيقية وجواهره الحركية.

يقول الأديب الراحل إحسان عبد القدوس في وصف الجيل الجديد الذي صاغه الإمام حسن البنا: "لا تحس فيهم الجمود الذي امتاز به رجال الدين وأتباعهم -في ذلك العصر- ولا تسمع في أحاديثهم التعاويذ الجوفاء التي اعتدنا أن نسخر منها، بل إنهم واقعيون يحدثونك حديث الحياة لا حديث الموت، قلوبهم في السماء ولكن أقدامهم على الأرض يسعون بها بين مرافقها، ويناقشون مشاكلهم، ويحسون بأفراحها وأحزانها وقد تسمع فيهم من (ينكّت) ويحدثك عن الاقتصاد والقانون والهندسة والطب.. أما إمامهم فيسعى أولاً إلى إفهام المسلمين دينهم فهما صحيحا لا تشوبه الخزعبلات، وإلى إيجاد المحبة والأخوة بينهم ثم تطبيق النظم الاجتماعية والاقتصادية التي جاءت في الدين عليهم… عارضا شمول الإسلام وسعة اجتهاده"[5].

[1] مجلة المجتمع عدد 1337 شباط 1999 ص 22 محمد عمارة.

[2] مجلة الدعوة عدد 82 شباط 1999 ص 37 فرج النجار.

[3] مجلة المجتمع عدد 1337 شباط 1999 ص 34 سيف الإسلام البنا.

[4] المستقبل لهذا الدين، سيد قطب؛ المبشرات بانتصار الإسلام، القرضاوي

[5] مجلة روز اليوسف في 5/ 9/1945 عدد 900، الرجل الذي يتبعه نصف مليون.

المبحث الثاني: الشعب - المطلب الثالث: موقف الحركة الإسلامية من المجتمعات المعاصرة

أبناء الحركة الإسلامية، تلك الثلة التي تبنت الإسلام وعملت على نشر تعاليمه للعالمين، ابتليت بألوان من العذاب والاضطهاد في السجون الصغيرة وفي الأوطان الكبيرة، ما أدى لظهور أفكار خطرة تقول بتكفير المسلمين والتشكيك بحقيقة إسلامهم وإيمانهم، وهي أفكار دفعت معتنقيها إلى تشويه الرسالة الإسلامية الخالدة عموما والعمل الحركي الإسلامي خصوصا، لذلك سارع أعلام الحركة الإسلامية رغم قسوة سجونهم ومعتقلاتهم إلى تصحيح هذا الفهم والرد عليه، لا رهبة من أحد ولا زلفى لأحد، كما يقول المرشد العام للإخوان المسلمين آنذاك حسن الهضيبي، وإنما انسجاما مع حقيقة المفاهيم التي تبنتها الحركة الإسلامية عبر مؤسسها الإمام الشهيد حسن البنا، وقد أعاد الهضيبي في كتابه "دعاة لا قضاة" الأمور إلى نصابها وبيّن موقف حركة الإخوان المسلمين من هذه الأفكار التي كانت من مظاهر فكر الأزمة والتي انتهت بمن تبناها إلى أزمة فكر، ما دفع بعض الشباب الذين تربّوا على هذه الثقافة إلى ممارسات متهورة محظورة شرعاً، اتخذت حجة للبطش بالإسلاميين عموماً، وهكذا يظهر من ظاهرة الغلو في التكفير أنها ولدت من رحم الأزمة فظهرت جماعات التكفير التي تكفر المسلم لارتكابه المعصية، وتكفر الحاكم لحكمه بغير ما أنزل الله إطلاقا، وتكفر كل من لم يكفّر الكفار، بزعمهم، وتحكم على مجتمعات المسلمين اليوم بأنها مجتمعات كافرة.. مما أورث اعتقادا داخليا عند كل جماعة بأنها هي الإسلام أو المتحدث الرسمي باسمه وما سواها كفر، سواء أعلنت ذلك قولاً أو فعلاً، لدرجة أن بعض الجماعات تعاملت مع الجماعات الإسلامية الأخرى المختلفة معها على أساس أنها كافرة مهدورة الدماء‍‍‍‍[1]!! علما أن الإشكال الذي وقع به كثير ممن ظلموا أنفسهم هو عدم التمييز بين معاني الكفر، فكفّروا مرتكب الكبيرة وإن لم يستحلها رغم أن المعاصي هي شأن البشر، وكفّروا الحاكم والمحكوم بغير ما أنزل الله دون النظر لما قد يكون عليه من جهل أو إكراه أو إيمان بحكم الله مع وجود الأعذار التي تنقل حكم هذا الفاعل من الكفر المخرج عن الملة إلى الكفر غير المخرج عن الملة[2].. واستمروا في التكفير حتى لم يبقوا أحدا في الإسلام سواهم!!

[1] عمر عبيد حسنة، مراجعات في الفكر والدعوة والحركة، المكتب الإسلامي، بيروت، ص 160-161.

[2] للتوسع في هذا الباب يمكن الاطلاع على كتاب قيم تحت عنوان الغلو في الدين لعبد الرحمن بن معلا اللويحق، ص251-330.

المبحث الثاني: الشعب - المطلب الرابع: تكفير المجتمعات

إن لفظة الكفر تعني في اللغة الستر والتغطية، وفي الاصطلاح تعني تغطية الحق وجحوده وهي نقيض الإيمان[1]، ولكن هذه الكلمة يراد بها في النصوص المعنى الاصطلاحي أحياناً والمعنى اللغوي أحيانا، فيراد بها تبعا لذلك كفرا مخرجا عن الملة وهو الكفر الأكبر، أو كفرا غير مخرج عن الملة وهو الكفر الأصغر، ولقد قسّم العلماء القسم الأكبر إلى خمسة أنواع:

- كفر تكذيب: كاعتقاد كذب الرسول.

- كفر إباء واستكبار: كمثل كفر إبليس لأنه لم يجحد أمر الله ولكنه استكبر عليه.

- كفر إعراض: بأن يعرض بسمعه وقلبه عن الرسول فلا يصدقه ولا يكذبه.

- كفر الشك: بأن لا يجزم بصدق النبي بل يشكك في أمره.

- كفر النفاق: وهو أن يُظهر بلسانه الإيمان فيما يخفي بقلبه الكفر[2].

أما الكفر الأصغر فهو الموجب عندهم للوعيد دون الخلود في النار ويتناول جميع المعاصي لأنها من خصال الكفار فكما أن الطاعات تسمى إيماناً فإن المعاصي تسمى كفراً، ومن أمثلتها قول الرسول صلى الله عليه وسلم: «لا ترغبوا عن آبائكم فمن رغب عن أبيه فهو كفر» البخاري ومسلم والإمام أحمد، وقوله صلى الله عليه وسلم: «سباب المسلم فسوق وقتاله كفر» البخاري ومسلم والنسائي والترمذي وابن ماجه، فهنا لفظة الكفر للمبالغة في التحذير وليست للخروج عن الملة[3].

يقول الإمام الشهيد حسن البنا رحمه الله ورضي عنه في رسالة التعاليم القول الفصل في هذه القضية وهو أننا "لا نكفّر مسلماً أقر بالشهادتين وعمل بمقتضاهما وأدى الفرائض برأي أو معصية، إلا إن أقرّ بكلمة الكفر أو أنكر معلوما من الدين بالضرورة أو كذّب صريح القرآن، أو فسره على وجه لا تحتمله أساليب اللغة العربية بحال، أو عمل عملا لا يحتمل تأويلاً غير الكفر".[4]

ولقد كان الإمام يرّبي الإخوان دائما على الاحتراز من خطيئة التكفير للمسلمين أو التعالي على المجتمع ويحذرهم من الوقوع فيما وقع فيه الخوارج من قبل حيث انحرفوا وكفّروا سواهم من المسلمين واستحلوا دماءهم وأموالهم حتى كانت من سماتهم البارزة أنهم يقاتلون أهل الإيمان ويدعون أهل الأوثان.. إن المجتمع المسلم عند الإمام قد يوصف بالتقصير والابتداع ولكن لا يصفه أبداً، لا بردة ولا بشرك ولا بكفر[5]، والأصل الثابت عند الإخوان أن الكل يؤخذ منه ويرد عليه إلا المعصوم، لا قدسية لقول أحد إلا ما قدسه الله، فمن ُأكره على اتباع الباطل وقلبه مطمئن بالإيمان فهو مسلم، وإن ناله شيء من الإثم فهو بسبب عدم الإنكار للقادر عليه، ومن اتبع الحاكم على غير ما أنزل الله معتقداً خطأه غير محلٍ لفعله ولكنه أطاعه في معصية الله طمعا بدنيا، فهؤلاء لهم حكم أمثالهم من أهل الذنوب لأن مجرد الطاعة في العمل لا يكون بها التكفير، إنما التكفير في الطاعة مع الاعتقاد[6].

يقول الإمام الطحاوي: ولا نكفر أحدا من أهل القبلة بذنب ما لم يستحله، ولا نـقول لا يضر الإيمان ذنب لمن عمله"،[7] لذا فقد نأت الحركة الإسلامية عن تكفير المجتمعات أو الأفراد لأنهم الدعاة وليسوا القضاة، ومعركتهم ليست معركة مع مجتمعات ارتدت عن الإسلام إلى الجاهلية وإنما هي معركة تنقية مجتمعات المسلمين من مظاهر الجاهلية،[8] لأن هذه المجتمعات رغم ما فيها من جاهلية ما تزال تعمل بالإسلام وتقيم شعائره، وجمهور الناس الكبير مؤمنون بربهم يتلون كتابه، ولا زالت كلمة الإسلام هي التي تحركهم وإن ارتكبوا المعاصي ما لم يستحلوها[9].

إن المسلمين اليوم بغالبيتهم يرتكبون الحرام ولكنهم يعلمون أنه حرام مهما بلغوا من الفساد لأن قيم الإسلام التي يؤمنون بها ما تبدلت إلى الدرجة التي يستحلون بها الحرام[10]، ولذلك فمجتمعاتنا اليوم هي مجتمعات إسلامية أو مجتمعـات مسلـمين إن شئنا الدقة أكثر[11].

[1] ابن منظور، لسان العرب المحيط.

[2] ابن القيم الجوزية، مدارج السالكين، مؤسسة الرسالة، بيروت، ج 1، ص 337-338.

[3] فتح الباري، ابن حجر، ج1، ص113، ج1، ص83؛ اقتضاء الصراط المستقيم، ابن القيم، ج 2، ص 208.

[4] مجموعة الرسائل، رسالة التعاليم، الأصل العشرون.

[5] مجلة الدعوة، عدد 82، ص 35؛ محمد عبد الله الخطيب.

[6] ابن العربي، أحكام القرآن، جزء 2، ص 743؛ عبد الرحمن اللويحق، الغلو في التكفير، ص 295.

[7] ابن أبي العز، شرح العقيدة الطحاوية، المكتب الإسلامي، بيروت، ص 355.

[8] مجلة المجتمع عدد 1337 شباط 1999 ص 22 محمد عمارة.

[9] مجلة المجتمع عدد 1337 شباط 1999 ص 22 محمد عمارة.

[10] أبو الأعلى المودودي، الإسلام والجاهلية، دار الفكر، بيروت.

[11] عمر عبيد حسنة، مراجعات في الفكر والدعوة والحركة، المكتب الإسلامي، بيروت.

المبحث الثاني: الشعب - المطلب الخامس: جاهلية المجتمعات

وصمة الجاهلية التي استعملها مفكرو الحركة ابتداءً بالأستاذ المودودي في كتاب "المصطلحات الأربعة في القرآن" ثم في كتابه "الإسلام والجاهلية"، أو الأستاذ سيد قطب خصوصا في تفسيره "في ظلال القرآن" أو في كتابه "معالم في الطريق" أو الأستاذ محمد قطب في كتابه "جاهلية القرن العشرين" لم يقصد هؤلاء من خلالها تكفير المجتمع تكفيرا عاما مخرجا عن الملة، وإنما رد المرشد العام الهضيبي على الأستاذ سيد قطب لتوسعه بمفهوم الجاهلية والكفر وقد اعتبر اجتهاده في تكفير بعض الناس خاطئ لأنه لا يصح القول بتكفير من أطاع الحاكم بغير ما أنزل الله تعالى بالعمل دون النظر إلى النية والاعتقاد، ودونما تمييز بين اعتقاد التابع خطأ المتبوع، أو في استحلاله لفعله، ودونما تمييز بين جهل التابع وعلمه، وقد ذهب المستشار البهنساوي باتجاه آخر حيث أوّل أقوال سيد في الجاهلية والكفر في كتابه "الحكم وقضية تكفير المسلم" معتبرا أن قصارى ما يمكن قوله في هذه المسألة أن سيدا استعمل لفظ الكفر والجاهلية باعتباره وصفاً لكنه لم يقيده أو يضبطه بالضوابط الشرعية.

ووفق الأصوليين وعلماء التوحيد فإن إطلاق لفظ الكفر على فعل ما، من حيث هو فعل، لا يعني بالضرورة أن مرتكب الفعل كافر، لأن تكفير المسلم يحتاج لأن تباشره جهة مختصة تحاكم الناس على هذا الفعل وتستبين سبب القيام به وتبحث إذا كان مرتكبه مستحل له أم غير ذلك، ثم تبين الأمر لصاحب الشأن وتستتيبه.

من جهته توسع الأستاذ محمد قطب في تعميم حكم الجاهلية على المجتمع، رغم أنه كان يقصد بشكل واضح الحكم بأحكام الجاهلية، وكان يغنيه أن يسمي كتابه "جاهلية القرن العشرين" بـ"جاهلية الحكم في القرن العشرين" حيث عم تحكيم القوانين الوضعية في ديار المسلمين إلا من عصم الله، فإن هذه التسمية الأخيرة هي التسمية المتسقة مع مفهومه للجاهلية[1] وهي قبل ذلك متفقة مع ما دلت عليه النصوص من أن الجاهلية العامة لا تكون بعد البعثة لقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين حتى يأتيهم أمر الله وهم ظاهرون»"[2].

على أن لفظة الجاهلية كما يعرّفها الأستاذ محمد قطب "حالة نفسية ترفض الاهتداء بهدي الله، ووضع تنظيمي يرفض الحكم بما أنزل الله"[3]، أما سيد قطب فيعرفّها بأنها: "حكم البشر للبشر لأنها هي عبودية البشر للبشر والخروج من عبودية الله ورفض ألوهية الله والاعتراف في مقابل هذا الرفض بألوهية بعض البشر، بالعبودية لهم من دون الله، وهي في ضوء ذلك ليست فترة من الزمن ولكنها وضع من الأوضاع، هذا الوضع يوجد بالأمس ويوجد اليوم ويوجد غدا فيأخذ صفة الجاهلية المقابلة للإسلام"[4].

لكن كلا من سيد ومحمد قطب والمودودي لا يقصدون بذلك تكفير المجتمعات الموصوفة بالجاهلية جملة، ويلاحظ مدى ارتباط الجاهلية لديهم بالحاكمية لدرجة ترادف اللفظتين.

كما أن ألفاظ الجاهلية كألفاظ الضلال والعصيان والفسوق والظلم قد استعملت في القرآن والسنة دون أن تعني بالضرورة الخروج على أحكام الدين خروجا يصل إلى حد الخروج عن الملة، وقد قال الرسول صلى الله عليه وسلم لأبي ذر الغفاري رضي الله عنه: «إنك امرؤ فيك جاهلية» الشيخان وأبو داوود وأحمد، ويعلق البخاري الذي أورد الحديث فيقول: "المعاصي من أمر الجاهلية ولا يكفر صاحبها بارتكابها إلا بالشرك"[5]، ومعلوم أن أبا ذر صحابي من كبار الصحابة لذلك فإن وصف المجتمع بالجاهلية لدى بعض مفكري الحركة لا يعني تكفيره، والقول بأن المجتمع جاهلي يوازي القول بأن فيه خروج ظاهر على أحكام الدين[6]، فالجاهلية والهوى سيان كما يقول محمد قطب[7]، وواجب الحركة الإسلامية أن تجعل هذه المجتمعات مجتمعات إسلامية نقية من شوائب الجاهلية من خلال توعية المسلمين بأحكام دينهم ورد المنحرفين إلى ظلاله الوارفة، ثم مواجهة جاهلية الحكم بثبات ودونما استعجال لقطف الثمار، وكما يقول الأستاذ سيد قطب: "نحن لا ندعو الناس لننال منهم أجرا، ولا نريد علوا في الأرض ولا فسادا، ولا نريد شيئا خاصا لأنفسنا إطلاقا، وحسابنا وأجرنا ليس على الناس، إنما نحن ندعو الناس إلى الإسلام لأننا نحبهم ونريد لهم الخير مهما آذونا لأن هذه هي طبيعة الداعية إلى الإسلام وهذه هي دوافعه"[8].

لقد كتب الإمام الشهيد في أول مقال له عام 1928: "الدعوة واجبة علينا معلقة بأعناقنا.. وإني لأشم بوادر النجاح واستنشق عبير الفوز من تلك النهضة الإرشادية"،[9] ثم كتب رحمه الله في آخر مقال له، قبيل استشهاده بأيام، يشد من إيمان الإخوان الذين ضاقت بهم السجون قائلا: "ستكشف الغمة وتزول المحنة إن شاء الله وتخرجون من البلاء خروجا أسبق من الجلاء أنقياء أتقياء، والله تبارك وتعالى يربيكم بالمحنة والمنحة "[10].

[1] الغلو في الدين لعبد الرحمن بن معلا اللويحق، ص 329.

[2] سبق تخريجه.

[3] محمد قطب، جاهلية القرن العشرين، دار الشروق، بيروت، ص 8.

[4] سيد قطب، في ظلال القرآن، دار الشروق بيروت، جزء 2ص 904؛ سيد قطب، معالم في الطريق، دار الشروق، بيروت، ص 88 وما بعدها.

[5] حسن الهضيبي، دعاة لا قضاة، دار التوزيع والنشر الإسلامية، القاهرة، ص 240.

[6] الرجع السابق، ص241.

[7] محمد قطب، جاهلية القرن العشرين، دار الشروق، ص90.

[8] سيد قطب، معالم في الطريق، دار الشروق، 173 وما بعدها.

[9] مجلة الدعوة، العدد 82 لسنة 1999، نقلا عن مجلة الفتح.

[10] مجلة الدعوة، العدد 82 لسنة 1999، نقلا عن صحيفة الإخوان.

المبحث الثالث: المؤسسات - المطلب الأول: الفردية والمؤسسية

لا تقوم دولة إلا من خلال مؤسسات لها، هي مفردات السلطة الحاكمة، هذه المؤسسات قد تتوسع رأسيا وأفقيا أو تضمر حسب المذهب الفكري الذي تعتمده الدولة، والإسلاميون كشريحة تسعى للوصول للحكم، ونشر مفاهيمها في الكون والحياة، لا بد لها من مؤسسات تكبر حتى تصل إلى الدرجة التي تأهلها للانطلاق نحو هدفها بخطى ثابتة، فهي حاجة دعوية وحتمية مستقبلية وتحدٍ عملي، لذلك فإن العمل المؤسسي لا بد أن يأخذ طريقه الأوسع في تحرك الإسلاميين، فالإسلاميون الحركيون كلهم ينتمون إلى مؤسسة كبيرة، تنبثق عنها المؤسسات الشورية والتنفيذية الأخرى، وهذه المؤسسة مرشحة للنمو لكي تعبّر عن توجه جمهور المسلمين.

والعمل المؤسسي لا يعني بالضرورة طمس دور الفرد وقتل قدرته على الإبداع، فالقيادة في آخر المطاف لا بد أن تسند إلى قائد واحد، ولكن من خلال مؤسسة شورية هي التي تطلق القائد وتراقبه، فتمنحه الثقة أو تحجبها عنه، وهكذا نجمع بين حاجة الفرد لممارسة القيادة وفق ما يراه الأصلح وبين حاجة الجماعة لضبط القائد ومحاسبته على ما يراه ويفعله.

المبحث الثالث: المؤسسات - المطلب الثاني: التخطيط

التخطيط هو رؤية المستقبل أو استشرافه ثم الاستعداد لمواجهته[1]، فهو إذاً يقوم على ركنين: استشراف المستقبل ثم وضع خطة لمواجهة هذا المستقبل، والحركة الإسلامية بحاجة دائمة -كأي حركة في العالم– إلى تخطيط دائم ومستمر يراعي المرونة والتغيرات.

وتزداد الحاجة إلى التخطيط على الصعيد المركزي وعلى الصعيد الخاص بالنسبة للحركات الجذرية الشمولية التي تهدف إلى التغيير كالحركة الإسلامية سيما وأنها مستهدفة دوما، لذلك فإن التخطيط سيجعل عين الحركة الإسلامية على المستقبل والعين الأخرى على الواقع، والتخطيط بهذا المفهوم عملية مستمرة ومتخصصة تترافق مع كل مشروع تطرحه الحركة.

لكن التخطيط في النهاية وسيلة، لا غاية بحد ذاتها، وكل مبالغة في التخطيط وبذل غالب الوقت من أجله والنقاش المبالغ فيه، هو من قبيل الافتتان والجدل المذموم، لأنه كثيراً ما يحدث أن يقوم بعض المفتونين بالتخطيط بوضع خطة تلو خطة تستنـزف جهدهم حتى لا تـُبقي منه شيئا للعمل الذي ُيخطط له أصلا، بل إنه في أحيان كثيرة يؤدي الخلاف حول وجهات النظر إلى خلاف يضيع العمل بحد ذاته، عندها يصبح التخطيط عبئا على الحركة لا عونا لها، وهو من قبيل المغالاة بالأمر المشروع أصلا لخدمته[2].

[1] طارق المجذوب، الإدارة العامة، الدار الجامعية، بيروت، ص 53.

[2] جاسم الياسين، رسائل العاملين، مؤسسة الكلمة للنشر والتوزيع، الكويت، ص 79 وما بعدها

الفصل السادس: التغيير نحو الحكم الإسلامي

المبحث الأول: منهج الإمام البنا في التغيير

يقول الإمام الشهيد حسن البنا: "نحن نريد الفرد المسلم والبيت المسلم والشعب المسلم والحكومة المسلمة والدولة المسلمة التي تقود الدول الإسلامية وتضم شتات المسلمين وتستعيد مجدهم وترد أرضهم المفقودة وأوطانهم المسلوبة، وبلادهم المغصوبة ثم تحمل علم الجهاد ولواء الدعوة إلى الله حتى تسعد العالم بتعاليم الإسلام"[1].

بهذه الكلمات عبّر مؤسس الحركة الإسلامية المعاصرة عن طريقة تحكيم شرع الله في الأرض، فبناء الفرد المسلم سيؤدي إلى بناء أسرة مسلمة، ومجموع الأسر المؤمنة ستشكل الشعب المؤمن الذي سيفرز حكومة إسلامية تعبر عن أفكاره وطموحاته، وبالتالي تقوم دولة الإسلام على أساس القناعة والتصميم، لا على أساس القهر والاستكبار، لأن الأصل أن لا إكراه في الدين، ومن باب أولى أن لا يقع إكراه في فرض شكل الدولة على الناس.

ولئن كان هذا الطريق طويلا ومتعبا إلا أنه هو الأسلم والأفضل لأنه يجعل التغيير السياسي متينا لاستناده إلى تغيير مجتمعي شامل، وفي ذلك يقول الأستاذ البنا للمتحمسين من الشباب: "لا تيأسوا فليس اليأس من أخلاق المسلمين، وحقائق اليوم أحلام الأمس وأحلام اليوم حقائق الغد.. إن الزمان سيتمخض عن كثير من الحوادث الجسام، وإن الفرص ستسنح للأعمال العظيمة، وإن العالم ينتظر دعوتكم، دعوة النور والسلامة لتخلصه مما هو فيه من آلام.. لقد خاطبت المتحمسين منكم أن يتريثوا وينتظروا دورة الزمان، وإني لأخاطب المتقاعدين أن ينهضوا ويعملوا فليس مع الجهاد راحة"[2].

ويقول أيضا: "إن طريقكم هذا مرسومة خطواته، موضوعة حدوده، ولست مخالـفا هذه الحدود التي اقتنعت بها كل الاقتناع بأنها أسلم طريق للوصول. أجل قد تكون طريقا طويلة ولكن ليس هناك غيرها، إنما تظهر الرجولة بالصبر والمثابرة والجد والعمل الدائب، فمن أراد منكم أن يستعجل ثمرة قبل نضجها، أو يقطف زهرة قبل أوانها، فلست معه في ذلك بحال، وخير له أن ينصرف عن هذه الدعوة إلى غيرها من الدعوات، ومن صر معي حتى تنمو البذرة، وتنبت الشجرة، وتصلح الثمرة ويحين القطاف فأجره على الله ولن يفوتنا وإياه أجر المحسنين، فإما النصر والسيادة وإما الشهادة والسعادة"[3].

هذه هي الطريق التي رسمها الأستاذ البنا، وهي طريق متدرجة ومعقولة، إلا أن هذه الطريق قد يتحول مسارها حينما لا تكون الحكومة الحاكمة تعبيرا صادقا عن رغبة الشعب، وحين تكون مستعدة لأن تقمع كل دعوة إصلاحية تهدد وجودها وتسلطها، وهذه هي حالة معظم الحكومات العربية والإسلامية!

[1] مجموعة رسائل الإمام الشهيد حسن البنا، المكتب الإسلامي، بيروت.

[2] المرجع السابق.

[3] المرجع السابق.

المبحث الثاني وسائل الوصول إلى الحكم - المطلب الأول: آليات الديمقراطية

النظام الديمقراطي يعني حكم الشعب للشعب وفق آليات محددة، والحركة الإسلامية اليوم لا تطلب سوى أن يفسح لها المجال لتخاطب الشعب، فإن تلقف الناس الدعوة بالقبول كان في ذلك السبيل الأسلم لتحكيم شرع الله، وإن لم يتلقفها فلا إكراه في شكل الحكم كما لا إكراه في الدين، ولكن تجارب الإسلاميين تدل على أن الخير موجود في الناس الذين يُقبلون على الإسلام وتعاليمه ما أتيح لهم الخيار، إلا أن الأنظمة الحاكمة إما أن تستوعب الحركة وتميّع طرحها، وإما أن تنقلب عليها وتلقي قادتها في غياهب السجون، حتى أفرغت الديمقراطية من شعارها، خصوصا فيما يتعلق بالإسلاميين، وقد قال بعضهم بحق إن الديمقراطية تعني حكم الشعب وفق أي نظام يرتضونه إلا الإسلام فإن الديمقراطية تنقلب إلى وحشية في محاربته، على اعتبار أن الإسلام يريد أن يستغل الديمقراطية لينقلب عليها ! لذلك فإن السبيل الديمقراطي يفترض وجود هذا النظام حقيقة لا وهما حتى وفق المفهوم الغربي للكلمة، لأنه لا يمكن أن يُعلن عن سُبل قانونية يتوجب الالتزام بها ثم تقوم السلطة بالانقلاب عليها إذا أفضت إلى غير رغبتها. !!

هذا الواقع القاتم لا يعني بحال من الأحوال الاستنكاف عن العمل تحت سقف الديمقراطية لأن لهذا الخيار فوائد جمة، فوجود الإسلاميين في البرلمان منفذ من منافذ الدعوة يطل من خلالها الإسلاميون على الناس بوسطيتهم القرآنية ليبينوا للمضلَلين أنهم ليسوا أعداء للناس وحقوقهم وحرياتهم، كما يصورهم بعض الإعلام، وأنهم مؤتمنون على إرادة الشعب وطموحاته، وأنهم ليسوا مجموعة استغلاليين غايتهم السلطة، كما أن من فوائد انخراط الإسلاميين في آليات الديمقراطية تأمين الحماية للدعوة ما أمكن ورفع صوت الموقف الإسلامي من القضايا الأساسية عاليا، ولقد وجه الأستاذ البنا إخوانه نحو الانتخابات وترشح شخصيا في الانتخابات النيابية عام 1942 إلا أن ظروف الحرب العالمية الثانية حالت دون ذلك، وقد برر ترشحه بقوله: "حتى يرتفع صوت هذه الدعوة في الأندية الرسمية وتناصرها وتنحاز إليها القوة التنفيذية، وعلى هذا الأساس سيتقدم مرشحو الإخوان المسلمين حين يجيء الوقت المناسب إلى الأمة ليمثلوها في الهيئات النيابية، ونحن واثقون بعون الله من النجاح ما دمنا نبتغي وجه الله"[1]. وقال أيضا: "إن الإسلام يطالبنا أن نعلنه في كافة مناحي الحياة والطريق البرلماني هو أقرب الطرق وأفضلها لهذا الإعلان، ولا يخرجها عن صفتها ولا يلونها بغير لونها"[2].

[1] المرجع السابق.

[2] مجلة الإخوان المسلمين في 4 -11- 1944.

المبحث الثاني وسائل الوصول إلى الحكم - المطلب الثاني: العصيان المدني

وهو مستمد من الحق في مقاومة الجور، وقد تكرّس في شرعة الاستقلال الأميركي عام 1776 وإعلان حقوق الإنسان عام 1789 وفي غيرها من الشُرع العالمية، وفي كتابات الكثيرين من منظري الديمقراطية وآلياتها، ذلك أن الضمانات القانونية قد لا تكفي أحيانا إذا ما استغلها الحاكم وأفرغها من مضمونها، عند ذلك يحق للشعب أن يقاوم الجور من خلال موقف سلبي دون اللجوء إلى وسائل العنف عبر عدم الامتثال لأوامر السلطة والقوانين التي تصدرها، ومن أشهر تطبيقات هذا النهج في التاريخ، ما دعا إليه ونفذه المهاتما غاندي في الهند. هذا السبيل يدعو في النهاية إلى عدم شرعية السلطة الحاكمة ومن ثم ضرورة رحيلها والاحتكام إلى سلطة جديدة تمثل إرادة الشعب.

ولكن دون تنفيذ هذا الخيار صعوبات عديدة، فقيادة الشعوب في عصيانها الحاكم لا بد أن يتم من خلال جهة ذات قوة معنوية كبيرة ونضج عالٍ، كما أن هذا النظام يجد فعاليته أكثر في مواجهة السلطة الأجنبية الغازية وليس في مواجهة حكومة وطنية مستبدة.

وبالطبع فإن لهذه الوسيلة مزايا، ليس أقلها حقن الدماء وتجنيب البلاد أتون حرب أهلية، خصوصا بعد ازدياد دور القطاعات الأهلية في المجتمع وسيادة السياسة الاقتصادية والتغني بالحريات والحقوق الشخصية، وهي وسيلة تبقى واردة أمام أية حركة سياسية ومنها الحركة الإسلامية ما توفرت الظروف الموضوعية لنجاحها.

المبحث الثاني وسائل الوصول إلى الحكم - المطلب الثالث: الانقلاب العسكري

رغم سمعته السيئة وعدم تبني الحركة الإسلامية له وصعوبة تنفيذه فإن ظروفا موضوعية أهمها وجود النظام القمعي الاستبدادي الذي يعطل آليات التغيير كافة، قد تدفع إلى مثل هكذا خيار، خصوصا إذا كان الانقلاب أبيضا[1]. مع ذلك يُسجل للحركة الإسلامية أنها لا تسعى ولا تروج لخيار الانقلابات المسلحة التي اكتوت منها شعوبنا العربية والإسلامية.

[1] في مصر وفي السودان كان ثمة تحركات بهذا الاتجاه من قبل الإسلاميين.

المبحث الثاني وسائل الوصول إلى الحكم - المطلب الرابع: حرب العصابات

وهي عبارة عن استراتيجية طويلة الأمد تهدف إلى إنهاك النظام واستنـزافه ضمن استراتيجية كلية تعتمد على العمليات السريعة المترافقة مع عمل سياسي ودعائي، ولا بد لنجاح هذه الحرب من وجود بيئة تحتضن المقاومين وتتعاطف معهم، الأمر الذي لا يتحقق في حالة الصراع ضد سلطة وطنية إلا إذا لفظها الشعب ووصمها بالعمالة، أما في غير تلك الحالات فإن اللجوء إلى حرب العصابات سيؤدي إلى تمزيق الأوطان، وإغراقها في حمام دماء لا ينتهي، فضلا عن تقديم المادة الطازجة للمشوهين للإسلام، ولا بد أن نلفت هنا إلى أن قوة الإسلاميين في العديد من الأقطار إنما استُمدت من اعتمادهم خيار المقاومة، لكن ضد عدو خارجي محتل، الأمر الذي أكسبهم احترام وثقة الناس.

المبحث الثاني وسائل الوصول إلى الحكم - المطلب الخامس: الثورة الشعبية

وهي تعني تحرك الشعب بجميع فئاته في مواجهة النظام القائم بغية إسقاطه وإحلال النظام الإسلامي بدلا منه، ولكن هذه الحركة لا يمكن أن تصل غايتها إلا بإرادة شعبية صلبة وقيادة واحدة وحكيمة، وإلا فإنه في حال فشلت الثورة فسيُقضى على الحركة الإسلامية كليا[1].

يبقى الخيار الأمثل دائما للوصول إلى الحكم، احترام رغبة الجماهير في الأهداف والوسائل وتجنب العنف والدماء والنظر إلى المعطيات الموضوعية، ولا يمكن الركون -والحال هذه -إلى حلول جاهزة وصالحة لكل مجتمع أو فترة زمنية.

إن المعطيات الميدانية، والمدى الذي بلغته الدعوة هو الذي يفرض الأسلوب المناسب، وعموما فإن الإسلام لا يعشق الثورة من أجل الثورة، فإذا سارت الأمور بشكلها الطبيعي وفق تدرج مرحلي واستجابت السلطة الحاكمة لإرادة الجماهير الهادرة، فالخيار السلمي الديمقراطي يبقى خيار الحركة الإسلامية للتغيير، ليس لهدم الديمقراطية -كما يدعي البعض- بل لتكريس جوهرها وهو تحكيم إرادة الناس وفق سقف الشريعة التي ارتضتها الجماهير أصلا عبر الانتخاب الحر.

[1] لقد اعتمد الإسلاميون في إيران هذا الخيار سبيلا لكسب السلطة ونجحوا نجاحا باهرا. انظر في مناقشة هذا الخيار وكيفية اعتماده في ظروفه الموضوعية كتاب الحركة الإسلامية للسيد محمد حسين فضل الله الصادر عن دار الملاك في بيروت وكتاب الشباب المسلم في مواجهة التحديات للدكتور عبد الله ناصح علوان الصادر عن دار القلم في بيروت أيضا.

المبحث الثاني وسائل الوصول إلى الحكم - المطلب الخامس: الثورة الشعبية

وهي تعني تحرك الشعب بجميع فئاته في مواجهة النظام القائم بغية إسقاطه وإحلال النظام الإسلامي بدلا منه، ولكن هذه الحركة لا يمكن أن تصل غايتها إلا بإرادة شعبية صلبة وقيادة واحدة وحكيمة، وإلا فإنه في حال فشلت الثورة فسيُقضى على الحركة الإسلامية كليا[1].

يبقى الخيار الأمثل دائما للوصول إلى الحكم، احترام رغبة الجماهير في الأهداف والوسائل وتجنب العنف والدماء والنظر إلى المعطيات الموضوعية، ولا يمكن الركون -والحال هذه -إلى حلول جاهزة وصالحة لكل مجتمع أو فترة زمنية.

إن المعطيات الميدانية، والمدى الذي بلغته الدعوة هو الذي يفرض الأسلوب المناسب، وعموما فإن الإسلام لا يعشق الثورة من أجل الثورة، فإذا سارت الأمور بشكلها الطبيعي وفق تدرج مرحلي واستجابت السلطة الحاكمة لإرادة الجماهير الهادرة، فالخيار السلمي الديمقراطي يبقى خيار الحركة الإسلامية للتغيير، ليس لهدم الديمقراطية -كما يدعي البعض- بل لتكريس جوهرها وهو تحكيم إرادة الناس وفق سقف الشريعة التي ارتضتها الجماهير أصلا عبر الانتخاب الحر.

[1] لقد اعتمد الإسلاميون في إيران هذا الخيار سبيلا لكسب السلطة ونجحوا نجاحا باهرا. انظر في مناقشة هذا الخيار وكيفية اعتماده في ظروفه الموضوعية كتاب الحركة الإسلامية للسيد محمد حسين فضل الله الصادر عن دار الملاك في بيروت وكتاب الشباب المسلم في مواجهة التحديات للدكتور عبد الله ناصح علوان الصادر عن دار القلم في بيروت أيضا.

القسم الثاني: الاستنهاض الحركي

الفصل الأول - الاستنهاض في واقع المنتمين إلى الحركة الإسلامية

المبحث الأول: المنتمون إلى الحركة الإسلامية - المطلب الأول: الحقوق والواجبات

خلافا للقسم الأول المبني على الأدبيات المقررة في الحركة الإسلامية فإن هذا القسم سوف يطرح جملة أفكار نهضوية لتطوير واقع الحركة الإسلامية وبناء هياكلها الموصلة إلى أهدافها العامة في تحكيم شرع الله ما استطاعت إلى ذلك سبيلا، بعيدا عن خصوصيات العمل الحركي في الأقطار الإسلامية.

الفصل الأول - الاستنهاض في واقع المنتمين إلى الحركة الإسلامية

المبحث الأول: المنتمون إلى الحركة الإسلامية

المنتمون للحركة الإسلامية هم مجموعة أفراد تمثـّلوا مفاهيم الإسلام العظيم، وطبّقوها في حياتهم، وعملوا على نشرها في مجتمعهم..إنهم البناء الأساس لهذه الحركة الشمولية..

المطلب الأول: الحقوق والواجبات

المنتمون للحركة الإسلامية أشخاص ينبغي أن تتوفر فيهم شروط خاصة وتقع على عاتقهم موجبات معينة، إلا أن ذلك لا يعني أنهم لا يتمتعون بأية حقوق أو ميزات يمنحهم إياها انتماؤهم، لأن الغرم بالغنم، وإن كان الأصل أن الأخ لا يبغي شيئا من حطام الدنيا مقابل انتمائه التنظيمي الذي لا يأتي إلا انعكاسا لقناعاته الإسلامية، إلا أن حفظ الفضل لأهله يقتضي من التنظيم أن يلحظ حقوقا لأبنائه.

أهم واجبات المنتمي للتنظيم

1- الالتزام بأحكام الدين جملة.
2- الانخراط في الهيكل البنائي لحركته (نظام الأسر).
3- تسديد اشتراكاته المالية.
4- طاعة وتنفيذ الأوامر التنظيمية في المنشط والمكره.

الحقوق التي يجب أن يحصل عليها المنتمي

1- السند السياسي: يتضمن الدفاع عنه والوقوف إلى جانبه في كل ما يتعرض له من مشاكل ناشئة عن انتمائه، سواء كانت مع السلطة أو مع أفراد من تنظيمات أخرى، إضافة إلى حمايته من عسف السلطة إذا وقع عليه أو هُدّد به، وكذلك دعمه في أي موقع يمكن أن يصل إليه.

2- الضمان الصحي: يتضمن مساعدة المنتمي بالقدر الأقصى الذي يستطيعه إخوانه في رفع العبء الصحي عن كاهله سواء بنقل هذا العبء إلى جهات أهلية أو رسمية أو إلى مؤسسات التنظيم والمرافق التابعة له، أو تحمّل التنظيم نفسه العبء في بعض الحالات، وهذا الأمر يسري أيضا على زوجه وأولاده، من خلال الأجهزة الداخلية في التنظيم - فرع الطبابة.

3- الدعم المالي: يتمثل بمساعدة الأخ في تدبير عمل ملائم يعتاش منه، وإقراضه قرضا حسنا إن احتاج، وتوجيه الإخوة للتعامل معه إذا قام بمشروع تجاري أو صناعي، والقيام بمعيشة زوجه وأولاده إذا تعرّض لمكروه جعله غير قادر على القيام بهذا العبء، إضافة إلى حصوله على الحسومات اللازمة من أية فاتورة يدفعها لمؤسسات التنظيم أو المؤسسات المتعاقدة معه (مدارس - مكاتب - مطاعم -محطات محروقات - صيدليات ..)، ويقوم بذلك القسم المالي في التنظيم.

4- المساعدة الدراسية: تتمثل بدعم الطالب المنتمي أو أبناء المنتمي في كافة المراحل التعليمية بمنح وقروض وكفالات كاملة أو جزئية، يقوم بذلك قسم الطلاب في التنظيم.

5- الارتقاء التنظيمي: هو تمكين المنتمي إلى التنظيم من الارتقاء في المواقع التنظيمية على قاعدة فضل السبق والتفضيل بالعلم والعمل، لأنه إن جازت رئاسة المفضول على الفاضل، فإن الأصل الذي يجب أن يُلتزم به هو أن يكون الفاضل على المفضول، وأن يراعى المكان المناسب للشخص المناسب، مع دوام التأهيل والتدريب لزيادة الكفاءة وتأمين البدلاء.

المبحث الأول: المنتمون إلى الحركة الإسلامية - المطلب الثاني: تقوية جسم المنتمين للحركة الإسلامية

المنتمون للحركة الإسلامية هم بناؤها الذي تعتمد عليه، فإذا كان البناء قويا كانت الحركة الإسلامية قوية، والعكس بالعكس، والقوة التي نعنيها هنا هي القوة النوعية وليس العددية، ذلك أن عشرة منتمين إلى الحركة قد يعدلوا ألفا في التأثير والفعالية، وهذه القوة النوعية تزداد حجما إذا تحققت الأسباب التالية:

1- وضوح الأهداف المرحلية والاستراتيجية في نظر الإخوان واقتناعهم بصوابية الخطة التي يسيرون عليها، وثقتهم الكبيرة بقيادتهم التي يقع على عاتقها مسؤولية الإعداد الجيد للخطط والبرامج والتعامل مع الإخوة بشفافية ووضوح على ضوء الأهداف الموضوعة.
2- وجود طاقات علمية وقيادية وأصحاب مواهب عاملة بنسب كبيرة في صفوف الحركة الإسلامية، وسعي القيادة بشكل حثيث لاستنبات الطاقات وتنمية كفاءاتها.
3- تحقيق النجاحات المستمرة في المجتمع والتفاعل معه ما يورث أعلى المعنويات الدافعة للمزيد من العمل، فالنجاح يستتبع النجاح والفشل يجر الفشل، وفق متوالية متناسقة، لا تنكسر إلا بحدوث منعطف حاد، كما هو مستقرأ من التاريخ ومقرر في علم السياسة.
4- التفاني في خدمة الحركة الإسلامية والتضحية بكل شيء من أجلها، وهو شعور يجب أن يسكن أفئدة أبناء الحركة الإسلامية وقيادييها، وأهميته مستمدة من خصيصة الربانية التي تقوم عليها الحركة الإسلامية، وكونه أحد أهم أركان البيعة.
5- متانة الصف الداخلي وتآلفه وتآزره ومناعته، من خلال التحصين المسبق، والمعالجة اللاحقة.

المبحث الثاني: تحصين الانتماء إلى الحركة الإسلامية - المطلب الأول: الخروج من التنظيم

الدعوة الناجحة في امتدادها عبر الزمن سوف تعني زيادة دائمة ومطردة في عدد الملتزمين بأحكام الإسلام، وتاليا زيادة في المنتمين إلى الحركة الإسلامية، لكن هذه الزيادة تبقى معرّضة للنقصان بخروج البعض عن انتمائه التنظيمي أو حتى تراجع انتمائه الديني.

المطلب الأول: الخروج من التنظيم

خروج البعض من جسم الكل، لا يعني بالضرورة قصور الدعوة أو تهافتها لأن المنتمين للحركة الإسلامية هم عينة من المجتمع صاغها الإسلام فأخرجها وفق تعاليمه، إلا أن أصناف الناس في قطار الدعوة هم أصنافهم في المجتمع، فيهم الضعيف وفيهم القوي وكذلك الكريم والبخيل[1]، والدعوة معرّضة للكثير من الحوادث، وبعض أبنائها قد يختلفون مع بعضهم، وقد يطرأ تغيير على أفكارهم ومعتقداتهم، وقد كان الرسولصلى الله عليه وسلم يستعيذ بالله من تقليب القلوب بالقول:" اللهم يا مقلب القلوب ثبّت قلبي على دينك "الترمذي.

هذا التساقط من الركب يفت من عضد المنتمين إلى التنظيم ويهز صورته لدى الآخرين دون شك، لكن سقوط البعض ينبغي أن لا يشكّل هاجسا للمجموع، سيما أن الدعوة تستقبل كل يوم أفرادا جددا، قال تعالى: )فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً( (الفتح: 10).

إن القوى الحية لا ترتكز في ديمومتها على أفراد مهما علا شأنهم، وإلا صارت أشبه بالتجمعات العائلية ولو اتخذت طابعا سياسيا، أما التجمعات التي تـبنى على المعتقد فلا يضيرها في استمرارها وجود شخص أو عدمه، وبطبيعة الحال هذا لا يعني أن انسحاب أعداد من المنتمين لأية حركة لن يضعف من مسيرتها، ولن يضع العراقيل في طريقها، ولكن ما ينبغي أن يكون عليه الأمر، أن الحركة أكبر من أي فرد فيها وأن الجميع مفتقر إليها فيما هي تستمد سموها من طرحها قال تعالى: )وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ( (محمد: 38).

[1] جاسم المهلهل الياسين، رسائل العاملين ج1، ص 35، مؤسسة الكلمة للنشر والتوزيع، الكويت

المبحث الثاني: تحصين الانتماء إلى الحركة الإسلامية - المطلب الثاني: أسباب السقوط

يمكننا أن نوجز أهم أسباب السقوط من قطار الحركة الإسلامية بالتالي:

1- الكبر: وهو داء يفتك بتوازن الإسلاميين وغيرهم، لكنه لدى الإسلاميين يلبس لبوس الدين، فيقول الإسلامي لماذا فلان هنا وأنا هناك وأنا أكثر نفعا للحركة الإسلامية منه؟ إن القوم لا يدرون ومن الأفضل تركهم.. أو يقول إن القصور قد ضرب أطنابه في الحركة الإسلامية، ولا سبيل لإصلاحها إلا عبر الخروج والانتقاد ابتغاء مرضاة الله وإظهار الحق!! وهكذا يلبّس إبليس الأمر وبدل أن يوسوس له بترك الحركة الإسلامية يهمس في أذن صاحبه بأنه لو ترك الحركة وانتقدها من الخارج لأظهر الحق، فلما يقتنع بذلك تكون النتيجة أنه ترك إخوانه ليظهر نفسه لا الحق ! والله يقول: )سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ( (الأعراف: 146).

2- الانخداع بالدنيا وطلب الرئاسة: وهو أمر وارد الحدوث حتى مع المتدينين من المسلمين، لأن الضعف والخطأ من صفات الذات البشرية، وإن كان الإيمان يقوّي العزيمة ويشحذ سلاح الصبر إلا أن بعض الظروف الخاصة قد تكشف عن مواطن الضعف في الشخصية، الأمر الذي يجعل صاحب هذه الشخصية غير قادر على تحمل الضغط الذي تسببه هذه الظروف عليه، فيلجأ إلى الشخصية الفلانية والزعيم الفلاني، ويفتح علاقات شخصية مع قيادات رسمية بدعوى الانفتاح، ثم يذهب في خط تبرير فعله هذا بالقول إن هذا أفضل الموجود وإن بعض المداهنة تحمي الدعوة، والاتصال بالسلطة، أفضل من مقاطعتها، وقد يتخطى الأمر حدود الاجتهاد الخاطئ ليصل إلى حد تقديم المصالح الخاصة على المصلحة التنظيمية، ما يجعل القيادي الإسلامي لاهثا وراء موقع رسمي أو سياسي يكون بداية السقوط، وما هي إلا فترة من الزمن حتى يصير بين أحضان تلك الجهة، فلا إخوانه يبقون إخوانه، ولا دعوته تبقى تلك الدعوة التي تربى فيها.

3- توهم العلم والصواب: قد يحدث لبعض الدعاة أن يصلوا إلى درجة من العلم تشعرهم أنهم صاروا فوق إخوانهم وأعلى شأنا منهم في الإحاطة بالأمور، وفي صوابية الرأي لما خبروه في الحياة ولما تعلموه من العلم، فإذا ما خالفهم غيرهم الرأي أو رفض السير وراءهم، انتقدوه وتعصبوا لرأيهم، ما يوقع الشقاق بينهم وبين إخوانهم، ويذهب كل فريق منهم في اتجاه التفتيش عن سقطات الفريق الآخر ثم يحدث العداء يتلوه السقوط من قطار العمل الإسلامي التنظيمي، ليكون العلامة الفارقة للجهل الذي أصيب به هؤلاء الذين لو علموا حقا لما ادعوا صوابا ولا علما، ومن ظن أنه قد علم فقد جهل، والله تعالى يقول: )وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ( (يوسف: 76).

4- اليأس من النصر: من سنن الله التي يجريها على دعاته الابتلاء والتمحيص، فمنهم من يصبر فيؤته الله أجره مرتين، ومنهم من يجزع أو يستعجل القطاف قبل أوانه، فينقلب على نفسه منهزما، مستسلما وقد اسوّد مستقبل دعوته في عينيه، فتفتر همته، ويرضى القعود مع القاعدين أو يرتضي التحول نحو الدعوات الدنيوية والسلطوية.

5- فشل القيادة واختلافها: القيادة والقاعدة طرفان لجسم واحد، وحال الجسم لا تستقيم إذا كان أحدهما فاشلا أو فاسدا، كما لا يستقيم حال التنظيم إذا كثرت فيه الاختلافات والصراعات بين القيادة والقاعدة، أو بين القيادة فيما بينها، أو إذا أصبحت القيادة عاجزة عن استيعاب أبنائها المنتمين، حيث تعيش في هذا الجو بالذات أصناف الاتهامات والافتراءات التي تفت عرى الانتماء واحدا بعد آخر.

المبحث الثاني: تحصين الانتماء إلى الحركة الإسلامية - المطلب الثالث: كيف نتعامل مع المتساقطين من التنظيم؟

لا يمكننا أن نخفي حظ النفوس وشهواتها، ولا وسوسات الشيطان وهمزاته، من بحث مشكلة المتساقطين من التنظيم، لكن في النهاية قد يحصل مثل هذا الأمر، ويتساقط البعض على الطريق، وهؤلاء إما أنهم سوف يعترفون بخطئهم بعد حين ويعودون أدراجهم إلى ركاب الحركة الإسلامية ولو من الباب غير التنظيمي، وإما أن تأخذهم العزة بالإثم فيتطاولون على الحركة الإسلامية ورموزها، وينصّبون أنفسهم قضاة لا شغل لهم إلا انتقاد وتصحيح مسار الحركة الإسلامية وفق الخط الذي يرونه هم، فيتحولون مع الوقت إلى حجر عثرة في طريق إخوانهم السابقين.

والملاحظ أن هؤلاء المتساقطين هم أعجز من أن يتفقوا فيما بينهم على عمل حركي واحد، في الأغلب الأعم من الحالات، ومنهم نماذج لا تقدر أن تمازج، بعضهم يظن نفسه ركن العالم، وبعضهم امتلأت نفسه غرورا حتى لم تدع فيها مجالا للحكمة أو المنطق، لكننا بالمقابل لا نجافي الحقيقة ولا الواقع إذا قلنا إن قيادة الحركة الإسلامية تتحمل في الكثير من الأحيان الجزء الأكبر من المسؤولية، عندما تعين الشيطان على أبنائها بمواقف غير ناضجة أو بتحكيمها للهوى أو باستخفافها بالآخرين أو بمخالفتها للمبادئ، ما يسقطها ويسقط أبناءها من حولها، فليس بالضرورة أن تكون القيادة دوما على حق، وليس بالضرورة أن يكون الصواب دوما إلى جانب المجموع في علاقته مع الفرد، ولربما كان فرد واحد أكثر صوابا من كل إخوانه، ومع التأكيد على أهمية الشورى والطاعة في المنشط والمكره، إلا أننا لا يمكننا أن نعتبر كل خروج من التنظيم خيانة قد أصاب صاحبها من المعصية أو شبهتها ما أصاب، فقد يكون الخروج من الأطر التنظيمية في بعض الأحيان أشد فائدة للتنظيم وللعمل الإسلامي عموما، لا سيما إذا أصيب هذا التنظيم بالتكلس والعقم، إلا أن ذلك يبقى خلافا للأصل الذي يقضي التزام الجماعة وإصلاحها من داخلها.

إن من الحكمة أن يتم تحصين المنتمين إلى التنظيم من مخاطر الخروج منه أو عليه، أو استسهال ذلك، وهو ما لا يتم إلا بإشاعة الثقة والمحبة وقمع الغيبة والنميمة والنقد السلبي ورفع معنويات الصف والرد على ُشبه الأعداء، وإذا ما وقع خلاف فإن الحركة الإسلامية معنية بالمعالجة وإعادة الخارجين إلى الصف من خلال أشخاص يملكون سلطة معنوية وثقة ومحبة عاليتين تؤهلهم للإصلاح والحكم بالمسائل، وإذا لم ينجح العلاج وأصر الفريق المنسحب على موقفه، فأقله أن يكون فراق بمعروف، ومن واجب التنظيم أن يقسم هؤلاء إلى ثلاثة أصناف: متعاطفون -معادون- محايدون، فالمتعاطفون يمكن تحريكهم بما يخدم الحركة الإسلامية في الشأن العام وكأنهم ما زالوا ضمن الحركة، لا يتميزون عن إخوانهم الملتزمين في التنظيم إلا بفقدانهم لموقع القرار وشرف الانتماء، أما المعادون فالأحرى تجاهلهم لأن هؤلاء إنما يعيشون بذكرهم وذكر مواقفهم وأعمالهم، وليس على التنظيم أن ينشغل بمشاكل هؤلاء على حساب أهدافه، ولعل الزمن يسهم في تخفيف العداء أو يصلح ذات البين، عندها يمكن تصنيف هؤلاء في خانة المتعاطفين أو ربما تـُعاد لهم عضويتهم. أما المحايدون فمن الأفضل أن يُستقطب معظمهم بالحكمة والموعظة الحسنة.

المبحث الثالث: تطوير الأجهزة الداخلية للتنظيم - المطلب الأول: توسيع قاعدة المنتمين من الداخل

إن المنتمي إلى الحركة الإسلامية ليس فردا منقطعا عن باقي شرائح المجتمع، وليس هو الوحيد الذي تهتم به الحركة الإسلامية، فهي ليست تنظيما للذكور دون الإناث ولا الإناث دون الذكور، ولا للمثقفين دون غيرهم ولا هي تهتم بمرحلة عمْرية دون غيرها، لذلك وإن كان معظم المنتمين من الذكور إلا أن لهم زوجات من الإناث يجب أن يسعى أزواجهم إلى ضمهم للعمل الإسلامي، الأمر نفسه ينسحب على أبناء وبنات المنتمين ولو كانوا صغارا لأن التنشئة الصحيحة لا تبدأ مع الرشد وإنما مع بدايات الوعي.

وهكذا يمكن لكل منتمٍ إلى الحركة الإسلامية إن يعمل على ضم أولاده وبناته إلى مؤسسة خاصة تضعها الحركة الإسلامية في خدمته وتعمل على مدار السنة، مؤسسة تعنى بأبناء المنتمين إلى الحركة الإسلامية وتؤمن لهم مطالبهم التربوية والبدنية والعلمية والاجتماعية من خلال أنشطة تقام على مدار الأسبوع، وهي مؤسسة تقوم على عمل تفرغي وتطوعي، ولما يبلغ المنتسب فيها مبلغ الرجال أو تبلغ الأنثى مبلغ النساء، يتم الانتقال التلقائي إلى العمل الإسلامي الجماعي في حلقات وأسر التنظيم ثم في أجهزته العاملة.بالنسبة لزوجات الإخوة فمكانهن الطبيعي في مؤسسة الأخوات التي تقوم بواجب تنظيم الحلقات والأسر والأنشطة استقلالا عن قسم الذكور.

أما الأقارب ذكورا وإناثا فهم أولى بالدعوة من غيرهم لذلك فإنهم يعتبرون على رأس قائمة الجمهور المستهدف بالدعوة.

المبحث الثالث: تطوير الأجهزة الداخلية للتنظيم - المطلب الثاني: تطوير اللوائح التنظيمية

من الضروري أن تكون اللوائح التنظيمية معلومة لدى المنتسب إلى التنظيم ابتداء، يطلع عليها متى أراد، ويحتفظ بها إذا سمحت الظروف بذلك، ولا يحول مبدأ "علانية الدعوة وسرية التنظيم" الذي رفعه الإمام حسن البنا دون تحقيق ذلك، وإذا كان ثمة تطبيق لهذا الشعار في ظرف معين إلا أنه لا يجوز اعتماده على إطلاقه في كل الظروف والأحوال!

هذه اللوائح ينبغي أن تنال نصيبها من التطوير أيضا، لأنها ليست تعليمات مقدسة، وإنما اجتهاد بشري لتحقيق غايات مقدسة، وهذا الاجتهاد قد يخطئ وقد يصيب، وقد يتخطاه الزمن، لذلك فإن الحركة معنية بتطوير لوائحها مع الزمن، ومن أهم الأمور التي تحتاج إلى تطوير بعد هذه السنوات الطويلة من عمر الدعوة، آليات المراقبة والمحاسبة تجاه المستوى التنظيمي الأعلى، لأن البيعة بين المنتسب إلى التنظيم وقيادته هي عقد بين طرفين بالنتيجة، وكما يحاسَب المبايع على إخلاله بموجبات البيعة، وقد يخضع للمحاكمة التنظيمية، فإنه ينبغي أن تتطور الأنظمة الداخلية للتنظيم بما يجعل القيادة أكثر عرضة للمحاسبة أمام قاعدتها وفق آليات محددة، لاسيما إذا أخلت بحقوق المنتسبين أو إذا قادت التنظيم نحو السوء، وبما يسمح لأي منتسب إلى التنظيم ومهما كان موقعه في السلم التنظيمي أن يسائل من هم أعلى منه مرتبة، أو أن يلفت النظر إلى أخطاء معينة صادرة عن أفراد في القيادة أو عن مجموعها وفق الأصول، وأن يكون قادرا عن نزع بيعته من قيادته إذا ما ثبت أنها خالفت المبادئ التي بايع عليها، كما من الواجب أن يكون بمقدور الهيئة الناخبة للقيادة أن تطرح الثقة فيمن انتخبت جملة وأفرادا.

ولتفعيل آليات المراقبة والمحاسبة، بل لتفعيل الأداء التنظيمي بأسره يجب أن يتمكن الراغب من تحمل مسؤولية من ترشيح نفسه، فالأصل أن الناخبين هم الذين يرشحون من يرونه مناسبا، على اعتبار أن "طالب الولاية لا يولّى"، ولهذه الطريقة محاسن دون شك، إلا أن فيها من المساوئ ما أظهرته التجربة، بل إنه في كثير من الأحيان يتعلل الأخ المنتخَب بأنه لم يكن راغبا من الأساس، في معرض هروبه من أية محاسبة، فضلا عن أن طريقة ترشيح الأخ من القاعدة الناخبة فيه تغييب للبرامج التي يُبنى الانتخاب والمراقبة والمحاسبة على أساسها، وعموما فليس ثمة مانع شرعي من ترشيح الأخ نفسه بين إخوانه ليتكلّف بالمسؤولية لا ليتشرف بها.

المبحث الثالث: تطوير الأجهزة الداخلية للتنظيم - المطلب الثالث: جهاز شؤون المنتمين

إن جميع الحقوق التي تلحق الأخ المنتمي يحكمها مبدأ الاستطاعة، فكما أن الأخ يبايع على أن لا يكلف إلا بما يستطيع، فإن إخوانه لا يـُكلفون إلا بما يستطيعون تجاهه، كما أن هذه الحقوق ينبغي أن تمر بالصيغة الإدارية الصحيحة بعيدا عن العلاقات الشخصية أو الروابط العائلية أو التخطي الإداري. ولمزيد من تنظيم داخلية التنظيم يجدر أن يتم إنشاء جهاز مشكّل من الملتزمين أنفسهم بهدف متابعة الإخوة المنتسبين ومساعدتهم بكل ما يطلبونه ما استطاعت الحركة لذلك سبيلا، إضافة إلى توجيه الإخوة إلى التخصصات العلمية والعملية التي تحتاجها الحركة، ودفع عدد منهم ومساعدته في العمل للحصول على وظائف حكومية معينة من باب الاستعداد والتكوين لبناء العناصر القادرة على قيادة المجتمع وتسيير شؤون الناس.

ومن المفيد في هذا الإطار دفع الإخوة نحو الجمعيات الأهلية غير المنضبطة بنهج الإسلام وتعاليمه، لينخرطوا فيها، ويترشحّوا في انتخاباتها، ويتسلموا المراتب القيادية وصولا إلى إصلاحها وتحويلها إلى مؤسسات إسلامية.

ولتمكين هذا الجهاز من القيام بوظيفته لا بد أن توضع في تصرفه أموال مقبولة، جزء منها من حصيلة اشتراكات المنتمين، والجزء الآخر يتم تأمينه من المبايعين أنفسهم لمساعدة حالات معينة من المنتسبين.

المبحث الثالث: تطوير الأجهزة الداخلية للتنظيم - المطلب الرابع: المحكمة التنظيمية

إن من طبيعة البشر الاختلاف فيما بينهم، سواء ارتبطوا برباط العقيدة أو الدم أو غير ذلك، لذلك فإنه من الممكن أن يقع خلاف بين أخ وأخيه ضمن التنظيم الواحد أو بين أخ وقيادته، سواء فيما يعني الأوامر التنظيمية والطاعة في المنشط والمكره، أي في الشأن التنظيمي، أو في الأمور الشخصية للإخوة فيما بينهم، أي في الشأن الشخصي، لذا فمن الأفضل للحركة الإسلامية وأفرادها أن تحتكم داخليا في كل ما لا تبسط النيابة العامة سلطتها عليه، إلى محكمة داخلية تحكم وفق أحكام الشريعة الإسلامية أو القانون الوضعي الذي لا يخالف الشرع والذي وافق عليه الطرفان كجزء من تعاقدهما كما في قانون العمل، وسوف توفر هذه المحكمة أموال المتخاصمين وأوقاتهما من دون تعقيدات إجرائية ومهل زمنية تضيع الحقوق، بل يكفي للشاكي أن يشتكي أمام أمين سر المحكمة كتابة، فيخطر أمين السر المشكو منه ويتسلم منه جوابه كتابة، ثم تنعقد المحكمة للفصل بين المتنازعين حيث تكمن حجيتها في قبول الأطراف الاحتكام إليها وقبولهم بحكمها كونها تمنحهم العدالة بسرية ودون كلفة، أما إذا رفضوا حكمها ابتداء او انتهاء فأمامهم الجهة القضائية المختصة، ذلك أن المحكمة التنظيمية ليست بديلا عن القضاء في الأحوال المدنية ولكنها جهة تحكيم برضى الطرفين.

وثمة مهمة أخرى لهذه المحكمة حيث يقع على عاتقها استقبال شكاوى المنتمين تجاه من هم أعلى منهم تنظيميا في كل شأن حركي، كما أن هذه المحكمة هي التي تحاكم المنتمين للحركة على إخلالهم باللوائح التنظيمية، وفق أصول تخاصم واضحة الاجراءات والمهل.

المبحث الثالث: تطوير الأجهزة الداخلية للتنظيم - المطلب الخامس: قسم الدراسات والتخطيط

لتأمين أسباب النجاح ولاستبصار آفاق المستقبل والمخاطر التي تحيق بالحركة الإسلامية، سواء كانت مخاطر داخلية أو خارجية، يجدر أن ينشأ قسم يعنى بدراسة المتغيرات وتأثيرها المحتمل على سيرورة الحركة، فضلا عن رسم خطط المستقبل ورصد الظواهر الداخلية والخارجية واستخلاص العبر من تجارب الآخرين وتجارب الحركة الإسلامية نفسها والتوقف أمام الزلل والخطأ بهدف استدراكه مستقبلا، ولا يحتاج القسم لأعداد كبيرة من المنتمين إلى التنظيم، لكنه يتطلب نوعية خاصة تكون قادرة على الدراسة والتمحيص والتجرد والتوقع.

ويجب من ناحية أخرى أن يكون إنتاج هذا القسم من الدراسات والخطط والأبحاث موضع تقدير قيادة الحركة، كضرورة من ضرورات الوجود والتطور، وإلا انتفت الحاجة من وجوده.

الفصل الثاني: استنهاض العمل الدعوي

المطلب الأول: أهمية الدعوة

لا شك أن الدعوة ضرورة حركية، بلغت من الأهمية أن الحركة الإسلامية كلها قامت من أجل تحقيقها، ليس لتحقيق وجودها فقط، بل لرفع الإثم الشرعي عن الأمة بأسرها، لأن نشر روح الدين وتعاليمه من فروض الكفاية المعلومة، والدعوة فرض على الحركة الإسلامية وعلى كل مسلم، مع فارق واضح هو أن الحركة الدعوية الجماعية أفعل وأكثر تأثيرا، ولكن الجوهر واحد، إنه الخط الذي سار عليه محمد صلى الله عليه وسلم والأنبياء من قبله، ولَكَم سيحظى بشرف عظيم ذلك الداعية الذي يتابع خطاً خطه له الأنبياء منذ مبدأ التاريخ بأمر من الله، ورعاية وتأييد منه، مع مادة ووسائل وغاية هي أسمى ما يمكن أن يسعى إليه الإنسان1.

1 مصطفى مشهور، طريق الدعوة، دار التوزيع والنشر الإسلامية، القاهرة، ص 113.

المطلب الثاني: أهمية وميزات الدعوة الفردية

واجب الإيمان يفرض على معتنقيه مباشرة الدعوة، فاحتكار الهداية للنفس وعدم نشرها، فيه الكثير من الأنانية، فضلا عما في الدعوة من قوة للمجتمع ككل وللداعي والمدعو بشكل خاص، لذا فإن القيام بهذا الواجب يصبح أمرا لازم المباشرة والسعي الحثيث، وبكل الصور المتاحة، ولعل أبسطها وأولها: الدعوة الفردية التي تتميز بأنها قادرة على ملازمة الإنسان مدى حياته، تعطيه النفع والثواب دون أن تكلّفه كثير العناء أو الوقت، على اعتبار أن الإنسان المسلم قادر على أن تكون الدعوة في كل حركة من حركاته، و في كل قول من أقواله، وهي تتميز أيضا بديمومتها في كل الظروف والأحوال بحيث لا يمنع وجودها ظلم نظام ولا جور حاكم، كما أن بعض الدعوة يتم دون كلام، حيث تكفي فيه القدوة الصالحة.

إن الإنتاج الدعوي في علاقته بالزمن يجب أن يتحرك وفق متوالية هندسية وليس متوالية حسابية، فمن يبدأ بالدعوة منفردا بقدرة استقطاب تبلغ فردا واحدا شهريا، سوف يستقطب في الشهر الأول فردا واحدا، أما في الشهر الثاني سيصبح العدد أربعة، وفي الثالث ثمانية، وهكذا بشكل هندسي، بحيث تصبح الدعوة عدوى صحية تصيب المؤمنين وتنتشر بهم ومعهم.

هذا التصور النظري سينقضه الواقع الذي سيقلل من انتظام هذه المتوالية الهندسية المباركة لعدة عوامل أهمها:

- عزوف عدد كبير من المؤمنين عن واجب الدعوة، تكاسلا وعصيانا وليس رفضا ونكرانا.

- فشل الكثيرين في الاستقطاب، لا سيما أنه ليس من السهل على كل مدعو أن يتحول إلى قادر على ممارسة الدعوة من الناحية العملية.

-ارتداد عدد من الملتزمين دينيا عن هذا الالتزام، ما يعني تناقصا طارئا على الرصيد العام.

لكن هذه العوامل لا تعني إطلاقا بأن الإنتاج الدعوي سوف لن يسير قدما نحو الازدياد الكبير، خصوصا إذا أمكن التغلب على معوقاته.

المطلب الثالث: الدعوة الحلقية

الدعوة إلى الإسلام نتيجة طبيعية لاعتناقه.. هذه الدعوة ينبغي أن تمازج كل عمل من أعمال المسلم الملتزم ليكون نتيجة ذلك حركة دعوية تنشر الإسلام، وتـُعّرف به، وتـُكّون قاعدة عريضة من المدعوين الفاهمين، وتاليا من الملتزمين العاملين للإسلام فرديا وجماعيا، وهذا الجمهور العريض المتلقف لغرس الدعاة لابد أن يتفاعل مع الجهد الموجه إليه فيفرز أفرادا ملتزمين ومستعدين إلى بذل المزيد من الجهد للارتقاء بأنفسهم أولا ثم لمد يد العون لغيرهم[1] ثانيا.

سبيل ذلك، التدين الشخصي الذي يرتقي شيئا فشيئا إلى أن يصل إلى حد ملازمة الصالحين والاقتداء بهم، وسوف تكون النتيجة الطبيعية لذلك الانخراط في صفوف العمل الجماعي بدءًا بالحلقة المسجدية أو غير المسجدية، وصولا إلى أعلى درجات العمل الإسلامي المنظم، ذلك أن الفهم الصحيح للدين يفرض على المسلم مخالطة الناس والصبر على أذاهم، لا الانكفاء والانغلاق على الذات، ولا شك أن الصبر على الأذى ومجانبة الرذيلة في مجتمع يعج بالرزايا، أصعب من الانفراد بالزهد.

وهنا تكمن أهمية حلقات الذكر والتلاوة والفقه، فهي:

- قوة على الشيطان لأنها تشد من عضد الملتزم بأخيه الذي يمشي بجانبه في نفس النهج فيأنس به في غربة الدنيا.

- علم يزيد في التفقه بدين الله عز وجل فيقوي بذلك في نفوس الملتزمين غرسة الدين ويقوّمها ويحميها ويصونها عن الزلل والانحراف.

- أجر يباركه الله وتضع الملائكة أجنحتها له، رضاءً به.

والحلقة بهذا المعنى ليست ابتكارا تنظيميا بقدر ما هي حاجة فردية وجماعية لأن المسلمين يتقوون ببعضهم بعضا، وإنما يأكل ذئب الانحراف أبعدهم عن إخوانه وفي الحديث: «عليكم بالجماعة، فإن الشيطان مع الواحد وهو من الاثنين أبعد، من أراد بحبوحة الجنة فليزم الجماعة» سنن الترمذي.

إن تأسيس الحلقة على البنيان البشري التجميعي دون حافز يشد الناس سيحيل البنيان ركاما بعد حين قصير، لذلك فإذا ما تحللت حلقة فإن الأحرى بالسؤال عن ذلك الفشل الداعي وليس المدعو، إذ أنه ينبغي:

أولا: الملازمة على العطاء والمواظبة على متابعة عمل الحلقة دون تغيّب أو توقف مع إبداء جدية كبيرة في الأمر، وكثيرة هي الحلقات التي انهارت بسبب عدم مبالاة مدرِّسها وكأنه ينبغي على المدعوين أن يتابعوه بدل أن يتابعهم، كما ينبغي أن لا يكون تغيب البعض مانعا من انعقاد الحلقة لأن في ذلك تحطيم لمعنويات الحاضرين ومعاقبة لهم بذنب الغائبين.
ثانيا: لا بد من عرض مادة شيقة تتناسب مع رغبة وحاجة أفراد الحلقة فيكون حبهم للمادة وتشوقهم لها دافعا لهم للمسارعة في الحضور عند الموعد المحدد، أما المواد المملة أو ذات الفائدة القليلة فإنها سوف تعمل في نفوس المدعوين عمل المنوم البطيء الذي ما يلبث أن يغيـّب الحاضرين.
ثالثا: لا بد من دعم الحلقة ورفدها بالدم الجديد بين حين وآخر فضلا عن تنشيط أفرادها بنشاطات هي أصلا خارج هدف الحلقة (كالرحلة) ولكنها بحكم نتيجتها تصبح من ضرورات العمل أحيانا، إضافة لإجراء التقويمات اللازمة والامتحانات والتدريبات العملية، بين فترة وأخرى لتبقى الحلقة مزدهرة وقوية ولينتقل أفرادها بعد ذلك إلى مرحلة أرقى.

[1] عبد الحليم محمود، فقه الدعوة إلى الله، دار التوزيع والنشر الإسلامية، القاهرة، ص 300 وما بعدها.

المطلب الرابع: ساحات الدعوة

الأصل أن الساحات مفتوحة للدعوة ما لم تحل ظروف دون تحقيق ذلك، وعموما فإن مجالات الدعوة متعددة أهمها:

- الأماكن العامة: يمكن ممارسة الدعوة في كل الساحات والأماكن العامة من خلال إقامة الاحتفالات والمحاضرات وإحياء المناسبات بالنشيد والتمثيل والخطاب والعروض الفنية والمصورة. هذه الساحة تناسبها أساليب الدعوة العامة.

- المساجد: ركن الدعوة الأساس خطابة وتدريسا وقياما وأنشطة، يتناسب العمل فيها مع أساليب الدعوة الحلقية والدعوة عامة.

- مؤسسات المجتمع المختلفة: مهما كان موضوعها (دينية أو صحية أو مالية أو ثقافية أو اجتماعية...) أو توجهها ( إسلامية التوجه أو غير إسلامية) فإنها تضم أفرادا يعملون لهدف مشترك، ويمكن ممارسة الدعوة معهم من خلال أساليب الدعوة الفردية.

- البيوت: إحدى ساحات الدعوة كونها تضم أفرادا يمكن التواصل معهم من خلال الاجتماع المنظم على شكل حلقات دعوية وفق أساليب الدعوة الحلقية، أو من خلال التناصح والتزاور وممارسة أساليب الدعوة الفردية.

المطلب الخامس: المؤسسة الدعوية

قد يظن البعض أن العمل الدعوي بعيد عن المأسسة، وأنه جزء من حياة المسلم يؤديه في أي وضع كان عليه، ولكن هذه النظرة غير صحيحة البتة، ولا شك أن عملا غايته الإرشاد إلى طريق الله هو أحد أسمى الأعمال على وجه الأرض التي تتطلب التنظيم والتوجيه، لذلك فإنه من الواجب ترشيد وتجميع وتركيز الخطى ثم استثمار النجاح، عبر مؤسسة دعوية تدير العمل الدعوي بكليته، وهذا يعني عملا منظما لا يمكن أن يقوم به جهد مبعثر.

إن مفهوم المأسسة في هذا الصدد ليس مجرد توصيف متقدم، وإنما نظام وهيكل وإنتاج، إذ أنه لا بد من قيام هيكل وظيفي دعوي ينبثق عن نظام داخلي يحكم حركة الدعوة في الإطار الجغرافي المحدد، على ضوء خطة مرحلية تسترشد بخطة شمولية، وبعد إشغال الوظائف الدعوية المحددة في الهيكل الوظيفي تنطلق في عملها بالاستعانة بدعاة مدربين على العمل الدعوي من خلال بيوت خاصة بالدعوة، يتخرج منها الدعاة ويسيحون في أرض الله ليبلغوا الناس الدعوة، يعيشون مع الناس فينقلون لهم أحكام الكتب، ولا يعيشون في الكتب فينقلون الناس إليها، يفهمون الثوابت ويقدرون المتغيرات، يسيرون مع الزمن ولا يسير الزمن عليهم، فتكون حركتهم الدعوية منتجة وراشدة.

تقوم المؤسسة الدعوية على جهاز إداري مهمته توجيه العمل الدعوي وتنسيقه وتزخيمه من خلال مجموعة موظفين يقومون بالتالي:

- توجيه ومتابعة ودعم المنتسبين إلى بيوت الدعوة وإلى الجامعات الشرعية.

- الإشراف على عمل المعاهد والجامعات الشرعية التابعة للحركة الإسلامية والسعي نحو تطويرها وتوسيعها وزيادة عددها.

- السعي في بناء المساجد.

- متابعة الحركة الدعوية في كل مسجد أو مصلى.

- توجيه ودعم عدد من الملتزمين في الحركة الإسلامية للدخول في الوظائف الرسمية ذات الصفة الشرعية كالقضاء الشرعي والأوقاف وغيرها.

المطلب السادس: بيوت الدعوة

المراكز الدعوية المتخصصة، بيوت الدعوة، يقع على عاتقها تأهيل الدعاة وتعليمهم كيفية تدرج الخطوات لبناء الشخصية الدعوية، ابتداءً بالاقتداء بالصالحين وغرس الإخلاص في العمل، ثم التربية الذاتية على النقاء النفسي، إضافة إلى التدريب على خطوات ممارسة الدعوة الفردية، ابتداء بالتعارف الناجح، فالتقارب، فبناء الثقة، فإيصال الفكرة.

إن الدعاة المقصودين هنا ليسوا بالضرورة خريجي المعاهد الشرعية لأنه لا رجال دين بالمفهوم الكنسي في الإسلام، فضلا عن أن الواقع يشهد أن أشهر الدعاة في عالمنا الإسلامي المعاصر لم يتخرجوا من المعاهد الشرعية، لذلك فإن مراكز الدعوة لا تعني الدراسة الشرعية بمعناها التقليدي، وإنما أساليب العمل على إيصال الفكرة وإقناع الآخرين بها، إضافة إلى التزود بكل العلوم النافعة والمساعدة لتحقيق هذه الغاية، مع الاسترشاد بجميع الآراء الفقهية والمشارب الدينية والفكرية، وتنمية الكفاءات العلمية والخطابية والتدريسية، ولا ضير من المبالغة في التخصص كلما أمكن ذلك ليصبح الدعاة اختصاصيين أصحاب كفاءات، فهذا داعية متخصص بالقرآن وآخر بالسنة وذلك بعلم الكلام والذود عن المفهوم الصحيح للدين وهكذا.. فيما يدير حركة هؤلاء أهل الباع الطويل الذين أمضوا فترة طويلة في الدعوة.

إن الواقع الحالي للدعوة فيه الكثير من الارتجالية التي ينبغي على الحركة الإسلامية أن تعالجها، لا أن يصبح الشعار:"فالج لا تعالج" لأن هذه القناعة إذا عمت الجميع فإنها تعتبر أشد خطرا من الواقع الحالي نفسه.

الفصل الثالث: إستنهاض العمل الرياضي

المطلب الأول: النظرة إلى الرياضة

الجسم هو وعاء الروح والعقل الذي تتوجه إليهما الشريعة، وهو ميدانهما في الحركة والسكون، وقد طالب الإسلام الإنسان بأن يوازن بين روحه وعقله وجسمه ويلائم بينهم، بحيث لا تطغى مطالب طاقة على مطالب أخرى، والحركة الإسلامية انطلاقا من نظرتها الشمولية ورغبتها في إشباع الحاجات البشرية جميعها اهتمت بتنمية قدرات أفرادها، وتالياً المجتمع على كل الأصعدة، فلا هي تغالي في مطالب الروح فترهق الجسد وتضعف العقل، ولا هي ترهق العقل وتحمله ما لا يطيق، ولا هي تغالي في مطالب الجسد فتوليها من الاهتمام ما لا تستحق، أو تحقرها وتحرمها من التنمية المطلوبة لها1، بل توازن بين حاجات الروح والعقل والجسد وتسمو بها جميعا عن سفاسف الحيوانية الدنيئة، ولذلك فلا عجب أن نسمع إمام الحركة الشيخ حسن البنا يقول: "إن الإخوان المسلمين دعوة سلفية وطريقة سنية وحقيقة صوفية وهيئة سياسية وجماعة رياضية ورابطة علمية ثقافية وشركة اقتصادية وفكرة اجتماعية"، ويشرح قوله "جماعة رياضية" بأن الإخوان المسلمين يعلمون أن المسلم القوي خير من المسلم الضعيف وأن تكاليف الإسلام لا يمكن أن تؤدى كاملة إلا بالجسم القوي، وتبعا لذلك يُعنى الإخوان بإنشاء التشكيلات والفرق الرياضية التي هي فتوة ودعوة في آن معا.

يقول الإمام البنا: "لسنا فرقة رياضية وإن كانت الرياضة البدنية والروحية من أهم وسائلنا[1].

1 علي عبد الحليم محمود، فقه الدعوة إلى الله، دار النشر والتوزيع الإسلامية، القاهرة، ص485.

[1] مجموعة الرسائل، رسالة المؤتمر الخامس.

المطلب الثاني: الرياضة كظاهرة اجتماعية كبيرة

الاهتمام بالرياضة اليوم أصبح ظاهرة اجتماعية من ظواهر المجتمع الهامة التي تتابعها كل شرائح المجتمع بأعداد هائلة سواء كان ذلك على المدرجات أو على شاشات التلفزة، أما الأبطال الرياضيون فقد صاروا نجوما لامعة يعرفها ويتأثر بها الصغار والكبار، مع ملاحظة أن هذا الجمهور الرياضي الكبير في غالبه لا يحمل المفاهيم الإسلامية الصحيحة، رغم أنه ليس ثمة ما يمنع من تحقيق ذلك، ما يعني أننا أمام قطاع كبير للعمل الدعوي، عنوانه تحويل الرياضة إلى عامل تدين وخلق، وهذا لن يكون إلا عندما تستنبت وتستقطب الحركة نجوما لامعة يحبها الجمهور فيتأثر بها، لذلك وجب الاهتمام بالرياضة وإنشاء الأندية الرياضية القوية لتحقيق أربعة أغراض.

أولاً: تأمين البديل الإسلامي على المستوى الرياضي بالنسبة للشباب الراغبين بممارسة هواياتهم الرياضية حتى لا يقعوا فريسة الأندية المنحرفة أو البعيدة عن روح الإسلام.
ثانياً: إشباع مطالب أبدان أبناء الحركة الإسلامية تحت شعار المؤمن القوي خير من المؤمن الضعيف.
ثالثاً: استقطاب أعداد جديدة من الشباب من خلال الأندية الرياضية الإسلامية.
رابعاً: إطلاق فرق ونجوم رياضية تحبها الجماهير وتتأثر بها بحيث تكوّن الوجه الإسلامي لأبطال الرياضة.

المطلب الثالث: ضوابط الرياضة

الحركة الإسلامية عندما تطرح النشاط الرياضي فإنها تتقيد بضابطين اثنين:

الضابط الأول: هو تحاشي الوقوع في حمأة المعاصي من خلال الإساءة إلى جسد كل من المتباريين (الألعاب القائمة على العنف الشديد دون ضوابط كالمصارعة الحرة في وجهها الغربي) أو كشف العورات وإثارة الغرائز من خلال ممارسة هذا النشاط (الألعاب التي لا تراعي قوانينها الدولية حدود الحشمة).

الضابط الثاني: موافقة النشاط الرياضي لطبيعة جسد من يمارس الرياضة، ونعني هنا التمييز بين رياضة الرجل ورياضة المرأة لأن المساواة هنا إنما تعني مواءمة الأنشطة البدنية لجسد كل من الأنثى والذكر، وعموما فإن رياضة الذكور أكثر خشونة من رياضة الإناث التي تنطلق من مفهوم أن المرأة يجب أن تهتم برشاقة جسدها، لا أن تهتم بأن تتحول إلى نجمة رياضية يشار إليها بالبنان لأن هذا ينافي مفهوم الحشمة والستر المطلوب من المرأة المسلمة، ولذلك فإذا كان من الهام جدا إطلاق محترفين في الألعاب كافة بالنسبة للذكور، فإنه من غير المطلوب مثل ذلك للإناث، بل المطلوب الاكتفاء بتأهيلهن وتقويتهن كي يصبحن أكثر رشاقة وصحة وكي يمارسن هوايتهن كافة دون أن يسيء ذلك إلى شرفهن.

المطلب الرابع: تميز الأندية الإسلامية عن غيرها

لا يمكن فصل الاهتمام بالكم عن الاهتمام بالنوع بالنسبة لأي نادٍ، لأن كليهما مرتبط بالآخر والنادي الذي يزخر بالأبطال النوعيين هو النادي المفضل لدى الجموع الكمية، وبالتالي تتكامل الشريحتان من أجل تحقيق الأغراض -سالفة الذكر- من العمل الرياضي.

وعندما يسخى النادي مع أبطاله فإنه في الحقيقة يقوي نفسه ليس رياضيا فقط، بل ماليا لأن الأبطال هم عنوان كل نادي، ولكن الأندية الإسلامية تتميز عن غيرها بأنها تربي وتدرب، وجانب التربية لا بد أن يتضاعف كلما تضاعفت قوة أبطال النادي تحصينا لهم من الاغترار بأنفسهم أو استسلامهم أمام العروض المغرية من الأندية الأخرى، لأنه في هذه الحالة –ضعف التربية الدينية- سوف يخسر النادي أبطاله الذين تعب عليهم، باعتبار أن الأندية الأخرى أغنى منه وأقدر على "شراء" الأبطال، وإذا كانت الحركة الإسلامية تعنى بالفتوة وتربية الأجيال عبر قسم خاص وأندية مرخصة تابعة للاتحادات المحلية والعالمية فإنها معنية أيضا بالقدر نفسه أو يزيد بالطرق المتطورة أن تستقطب اللاعبين الأبطال وتحافظ عليهم وتشبعهم الروح الإسلامية والحركية، وهذا هو الضمان الوحيد للمحافظة على الأبطال من إغراءات الأندية الأخرى. وبهذا يكون المشروع الرياضي الإسلامي قد حقق بعض أغراضه بنجاح.

المطلب الخامس: الأندية الكشفية ودورها النهضوي

يهدف العمل الكشفي إلى استثمار وقت الشباب بما ينفع، وبناء أجسامهم وشخصياتهم، وغرس المفاهيم الوطنية والإسلامية في نفوسهم، وتدريبهم على خدمة دعوتهم والمجتمع. ويعتبر العمل الكشفي الإسلامي مدخلا هاما نحو اكتمال رجولة الشباب واستعدادهم لمختلف الظروف الصعبة التي يمكن أن تواجه حركتهم، فالحركة الكشفية الإسلامية تربية روحية وجسدية، جهاد للروح وتدريب للنفس والجسد.

إن العمل الكشفي ينبغي أن يكون عامل جذب للحركة الإسلامية، نظرا لطبيعته التي تستهوي الشباب، لذا فإنه ينبغي عدم تفويت هذا المدخل الهام للتغيير في المجتمع، عبر العزوف عن إنشاء أندية كشفية، أو إصلاح مؤسسات كشفية قائمة عبر الانتساب إليها.

يمكن للعمل للكشفي أن يتخذ أشكالا وصورا شتى، إضافة إلى الأشكال التقليدية من تجوال وعزف وتخييم، وفي كل ذلك يمكن إدخال الروح الإسلامية، ومن الأنشطة ذات الأهمية في هذا المجال، على سبيل المثال لا الحصر: المحاضرات، الندوات، الدورات العلمية، المسابقات والمعارض الثقافية، وبرامج بناء الشخصية التي تهدف إلى صناعة المميزين والقادة.

إن العمل الكشفي شأنه شأن العمل الرياضي، ليس قاصرا على الذكور، لكن ينبغي مراعاة الضوابط الشرعية فيما خص مشاركة الفتيات، لا سيما فيما يتعلق بالاختلاط والحشمة، كما ينبغي مراعاة الجوانب المتلائمة مع جسد الأنثى في الأعمال الكشفية.

الفصل الرابع: استنهاض العمـل الطالـبي

المطلب الأول: أهمية العمل الطالبي

كل الحركات والأحزاب تحتاج إلى دم جديد يُضخ في عروقها حتى تستمر في الحياة فلا تشيخ وتموت، الأمر الذي يدفعها للاهتمام بعنصر الشباب، لا سيما المتعلم منه، من خلال بث الدعاية الحركية في مختلف الصروح التعليمية.

ولا يخفى أن هذا العمل على قدر كبير من الأهمية ليس فقط على مستوى الحركة أو التنظيم، وإنما على مستوى الوطن لأن الشباب بحاجة إلى أن ينخرطوا في القوى الحية في المجتمع، وأن يشاركوا من خلالها في صياغة مستقبلهم، وتاليا مستقبل أولادهم، وفي هذا الإطار تعتبر الصروح التربوية من أهم ساحات الدعوة، ليس فقط لأنها تجمع طلابا لمدة طويلة نسبيا، بل لأنها تضم ذخيرة المستقبل في فترة التفتح والتشكل الفكري والثقافي، وهي المقياس الذي يحدد قوة المجتمعات والتنظيمات على السواء، ولطالما شكّل الطلبة طليعة التغيير وبناء الأوطان، لما يتمتعون به من خصائص الحماس والاندفاع من جهة، ولتحررهم من القيود والمسؤوليات الاجتماعية من جهة أخرى.

المطلب الثاني: ميادين التحرك

ثمة العديد من ميادين التحرك في العمل الطالبي، يمكن إيجازها فيما يلي:

- الميدان الدعوي: تتنوع أساليبه، من الدعوة الفردية المرتكزة على الصحبة والقدوة الحسنة، إلى الدعوة الجماعية المرتكزة على أنشطة وفعاليات من قبيل الدروس والمحاضرات وحلقات التلاوة والذكر والصلاة الجماعية غيرها.

- الميدان المطلبي: وهو يرتكز على حمل هموم ومطالب الطلاب إزاء المناهج والسياسات، وفي التعامل مع الإدارات.

- الميدان التربوي: وهو يرتكز على مد يد العون إلى الطلاب، ومساعدتهم دراسيا، من خلال دروس التقوية، وتأمين الدورات والكتب المساعدة، وغيرها من الوسائل.

- الميدان المادي: يكمن في مساعدة الطلاب وأهلهم للتخفيف من الأعباء المالية للدراسة، إن على صعيد المنح الدراسية، أو المساعدة في تحمل الأقساط الدراسية، أو التوفير في مجال الكتب واللوازم الدراسية الأخرى.

- ميدان الأنشطة: وهو على قدر كبير من الأهمية، نظرا لطبيعة الشباب واندفاعهم نحو التعبير عن الذات بفعاليات وأنشطة، يجب استثمارها في الارتقاء بالطلاب وطموحاتهم، ومنها على سبيل المثال، الاهتمام بلوحات الحائط، وتنظيم الاحتفالات، وإقامة المعارض، فضلا عن الأنشطة الترفيهية المختلفة. ويراعى في كل ذلك التقيد بالأنظمة والقوانين الخاصة بكل صرح تعليمي، وهي أنظمة مهما ضاقت فلن تمنع من التوافق على أنشطة خارج الحدود المكانية للصرح التعليمي نفسه، لذا فإن مما ينبغي في هذا المجال، التحلي بالكياسة والابتعاد عن التحدي الذي يميز الشباب في ذلك السن، ما يقتضي التوجيه من خلال الجهة الدعوية التنظيمية التي قد تضطر أحيانا إلى التحدث مباشرة مع إدارة الصرح التعليمي.

المطلب الثالث: معوقات في وجه الدعوة الطالبية

من أهم المعوقات التي تعتري الدعوة الطالبية:

1- سوء العلاقة مع الإدارة: ينبغي لإنجاح العمل الدعوي في الوسط الطالبي أن يشترك أطراف ثلاثة: الطلاب والإدارة والجهة التي يحمل الطلاب فكرها، وغالبا ما تكون الإدارات متوجسة من التعاطي مع روابط الطلاب وأنديتهم والجهات السياسية التي ينتمون إليها، كما أن الإدارات في كثير من الأحيان تلجأ إلى سياسة الإعاقة والمنع تفاديا لمشاكل قد تنشأ بين الطلاب أنفسهم، لا سيما إذا كانت توجهاتهم متضادة، أو تفاديا لضغوط عليها من الخارج، أو رفضا منها لتوجهات الطلاب. وفي الحقيقة ينبغي،كحركة إسلامية، أن نتفهم مواقف الإدارات، ولو لم تعجبنا أو ترضي طلابنا، دون أن يعني ذلك الاستسلام لها، فثمة الكثير من المجالات التي يمكن العمل من خلالها مهما كان التضييق شديدا، وبدل أن تكون العلاقة سيئة مع الإدارة ويحكمها مبدأ الفعل ورد الفعل، والانتقام والرد عليه، فإن العلاقة الطيبة تبقى بجميع الأحوال أفضل، حتى مع الممانعة وممارسة الضغط على الإدارة من الطلاب أو الجهة التي يتبعونها.

2- ضعف الإمكانات: لا شك أن حجم الإمكانات المادية وغير المادية المتاحة للطلاب تلعب دورا كبيرا في إنجاح عملهم أو إفشاله، لذلك ينبغي توفير هذه الإمكانات قدر الإمكان، حفظا للدعوة وتحقيقا لنجاحها، لأن الفكرة لا تكفي لوحدها حتى تلاقي نصيبها من النجاح وإنما ينبغي تهيئة الأسباب لها.

3- غياب المرجعية: تلعب المرجعية دورا كبيرا في نجاح العمل الدعوي في الوسط الطالبي، فكم من الطاقات ظلت بعيدة عن الاستثمار والتوجيه حتى ذوت، وكم من الصروح التعليمية ظلت ميتة دعويا بسبب غياب الجهة التي تشجع وتنظم وتخطط وتحمي، لذا فإن الإطار الإداري الذي يجمع الطلاب داخل المؤسسة التعليمية وخارجها، من الضرورة أن وجوده يرتبط بوجود الدعوة في هذا المكان.

4- ضعف وقلة الطاقات: يرتكز العمل الطالبي في المدارس والمعاهد والجامعات على الطلاب أنفسهم، فإذا كان وسط الطلاب يفتقد إلى الطاقات القيادية القادرة على تحريك الآخرين، فإن العمل سيبقى خجولا في حجمه، ضعيفا في إنتاجه، ومن الجدير ذكره هنا، أن العمل الطالبي يكشف عن العناصر القيادية، والعناصر المنضبطة، والعناصر المبدعة، لذا ينبغي وضع كل شخص في المكان الصحيح، وزرع الروح الدعوية في نفوس الطلاب، بحيث تكون همهم الأكبر، إلى جانب تحصيلهم العلمي.

المطلب الرابع: المؤسسة الثقافية

في خطوة أكثر تقدما، يقوم التنظيم بإنشاء مؤسسة ثقافية تهتم بعدة مطالب ثقافية أهمها:

1- إنشاء روابط طالبية في المناطق كافة، وفي القطاعات التعليمية المختلفة من مدارس ومعاهد وجامعات.

2- إنشاء روابط معلمين في مختلف المناطق، هدفها نشر الدعوة في صفوف المعلمين، وتنسيق الجهود، وحمل المطالب، وتنمية القدرات، وزيادة فرص العمل والدعم، فضلا عن الأنشطة الترفيهية الهادفة.

3- إنشاء روابط مدراء في مختلف المناطق، تضم مدراء المدارس والمعاهد والجامعات الإسلاميين، بهدف التنسيق والتعاون، والارتقاء بالعملية التعليمية.

4- إقامة المراكز العلمية المختلفة من مدارس ومعاهد وجامعات، مراكز الأبحاث والإحصاء، ودور الطباعة والنشر، ومراكز التقوية والتدريب المتخصصة، وغيرها.

هذه المرافق التابعة تكون تحت إشراف المؤسسة الثقافية، التي تتفرغ للتخطيط وتحضير المشاريع المستقبلية، وإثارة القضايا الثقافية على الرأي العام، وطرح المبادرات التي تفعِّل من البيئة الثقافية عموما.

الفصل الخامس: استنهاض العمل الاجتماعي

المطلب الأول: خدمة المجتمع والانخراط فيه خيار الحركة الإسلامية

الخيار لدى الحركة الإسلامية الراشدة هو خدمة المجتمع والانخراط فيه، سواء حمل هذا المجتمع نظرة الحركة الإسلامية إلى الكون والحياة أم لا، ولقد ناضل قادة الحركة الإسلامية بشدة تجاه دعوات ظهرت في مرحلة معينة تدعو إلى مقاطعة المجتمع ما دام يحمل مفاهيم جاهلية، وقد عبّرت الحركة الإسلامية في أدبياتها المعتمدة على رفض هذا الموقف، ورأت أن نظرة الاستعلاء على المجتمع واستصغار أفكاره -على اعتبار أنها منحرفة- نظرة خاطئة ولا تقل انحرافا عن تبني الأفكار الضالة بحد ذاتها1.

وبالانتقال من النظرية إلى التطبيق فإن الانخراط في العمل الاجتماعي، تأكيد داحض للتشكيك فيما يتعلق بهذا الخيار، وخدمة المجتمع عبر المؤسسات هي المعنية هنا، سواء كانت هذه المؤسسات إغاثية أو خيرية أو حتى ربحية إذا كانت ذات منفعة عامة، هذه العملية فضلا عن ردها لشبهة التكفير والهجرة –التي ظهرت عند مجموعات محدودة نتيجة حالة القمع التي عاشتها-، فإنها تزيد من قوة الحركة الإسلامية لأنها عامل استقطابي إضافي للدائرة الواسعة أولا وللدائرة الضيقة تاليا، كما أنها تمنح الحركة الإسلامية الخبرة التي تفتقر إليها في كيفية إدارة المرافق وتسيير الخدمات والتعامل مع مواقع القوى كافة، وهذه إيجابية هامة راهنا ومستقبلا.

إنه، والحال هذه، لا بد أن يحظى العمل الاجتماعي بحيز هام من التخطيط ونجاح التنفيذ، والأهم من كل ذلك الاستمرارية، ولذلك لا ينبغي الاقتصار أو التركيز على العمل الإغاثي لأنه في الغالب يستنفذ أغراضه وإمداداته بعد مدة من الزمن، أما الأعمال الخيرية الأخرى أو المشاريع الإنتاجية ذات المنفعة العامة فهي التي تبقى وتكبر. ومع التقدير الكامل للعمل الإغاثي إلا أن توزيع مواد غذائية على مواطنين -في غير حالة النكبات- ليس أهم من افتتاح مستوصف أو مشفى خيري يعالج الناس برسوم رمزية، فالأول مؤقت أما الثاني فدائم ومرشح للتوسع. ووفق هذا المفهوم فإن إقامة المؤسسات الصحية والتأهيلية والتعاونية ومراكز خدمة المجتمع ينبغي أن تكون في أولويات الحركة الإسلامية.

لا بد أيضا من الانخراط في المؤسسات الاجتماعية للآخرين سواء عبر الانضمام المباشر أو عبر المرور بالانتخابات، على أن تدعم الحركة الإسلامية من تلتمس فيه الخير ليصل إلى المواقع الحساسة، ثم لا بد بعد ذلك من التوجيه والمراجعة والمساعدة، ذلك أنه من الظلم والمفسدة في آن، دعم المرشح ثم تركه بعد أن يصل، فلا الفائدة من دعمه تكون قد تحققت ولا حسن الأداء يكون قد توّج التجربة. بالمقابل من المفيد إلزام أي مرشح تدعمه الجماعة "ببروتوكول" يحكم أداءه ويركز على خضوعه لقرارات الجهة التي تراقب عمله، وإجباره على إطلاع قيادته على مجريات الأمور بالوقت المحدد والآلية المناسبة.

1 راجع في ذلك كتاب دعاة لا قضاة لحسن الهضيبي –دار التوزيع والنشر الإسلامية– القاهرة.

المطلب الثاني: عقبات في وجه العمل الاجتماعي

بالرغم من اعتقاد الكثيرين أن القدرات المالية تقف حاجزا أمام تطور النشاط الاجتماعي الإسلامي، إلا أن الواقع ليس بالضبط كذلك، ومن الممكن جدا إقامة مؤسسات تحمل عبأها المالي مع الوقت، أما الشق الإغاثي والتكافلي، فالأصل أنه يتغذى بسهولة من مصارف الخير عند المسلمين وغيرهم، لكن هذا التفصيل المتقدم لا يمنع من أن يكون المال، ولا سيما إذا ما حورب تدفقه، عقبة في وجه تطور العمل الاجتماعي الإسلامي، إلا أن هذه العقبة يمكن تخطيها من خلال التشبيك مع باقي مؤسسات المجتمع، ومن خلال مد الأواصر مع كافة الشرائح لضمان استمرار المؤسسات التي تعتمد بدرجة كبيرة على تبرعات أهل الخير.

ثمة عقبة أخرى تتمثل بضرورة تحقيق التنسيق والتعاون والتكامل الصحيح بين المؤسسات الاجتماعية الإسلامية، ولا بد في هذا الإطار من إيجاد هيئة عليا تشرف على المؤسسات التابعة، وتحريكها مع أخواتها بما يضمن خدمة الأهداف المرسومة، كما لا بد من رفد هذه المؤسسات بالعناصر البشرية التي تضمن استمرار ولاء الفروع للأصول، وتحقيق التعاون المثمر فيما بين كل مؤسسة وأخرى، ولضمان الولاء للتنظيم يمكن اعتماد عدة طرق، منها تشكيل الهيئة التأسيسية - التي ستتحول إلى هيئة إدارية- من المنتمين أنفسهم، بما في ذلك رئيس مجلس الإدارة، أو على الأقل أن تكون الغالبية المطلقة للمنتمين إلى التنظيم. كما يمكن للحركة أن تمتلك جميع المؤسسات التابعة لها إذا كانت حركة مرخصة بموجب القوانين مرعية الإجراء. كما يمكن أن يكون عدد من المؤسسات مسجلا بأسماء عدة أفراد في التنظيم من أهل الثقة العالية، على أن تؤخذ التعهدات اللازمة من هؤلاء الأشخاص بما يضمن الالتزام بأمر الجماعة.

في هذا الصدد لا ينبغي أن يغيب الجانب الاقتصادي التنموي عن المشاريع الاجتماعية بحيث تغذي نفسها وتدر أموالا على غيرها من المؤسسات الاجتماعية أو التنظيمية.

المطلب الثالث: مأسسة التنظيم

رغم الجو المؤسسي الذي ساد في صدر الإسلام إلا أن النـزعة الفردية الاستبدادية عادت للظهور بقوة في العصر الأموي واستمرت إلى أيامنا هذه، وإذا كان الغرب في غالبية دوله قد تخلص من الفردية الجامحة، فإن بلادنا العربية والإسلامية ما زالت تعاني من فردية القائد الملهم[1]، وما زالت الجماهير العربية تهتف لقائدها الموهوب سواء أصاب أو أخطأ، فآفة الفردية انتقلت من البعض حتى أصابت الكل، حتى تعودوا عليها وصارت جزءا من حياتهم، بل إن هذه الفردية أصابت الحركة الإسلامية نفسها ولو بحجم أقل، فبعض القادة الذين أترعتهم الجماهير ثناءً باتوا يتصرفون بفردية بعيدة عن العمل المؤسسي ولو عن حسن نية وحرقة على الإسلام ودعوته، فصاروا عبئا على الحركة نفسها.

إن الممارسة المؤسسية السليمة تقوم على عنصرين: الشورى والتخصص، ففي الشورى استفادة من جميع الخبرات والتجارب واجتماع للعقول في عقل واحد وبناء يساهم الجميع في تشييده ويتحملون معا مخاطر الدفاع عنه[2]، وهي قبل ذلك أمر من الله لقوله تعالى: )وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ( (آل عمران: 159 )، وقوله: )وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ( (الشورى: 38 ).

أما التخصص فهو ركن الممارسة المؤسسية الراشدة الثاني لأن الشورى لمن ليس له علم، لا فائدة منها، والله يقول: )فَاسْأَلوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ( (الأنبياء: 7)، كما أن التخصص من فروض الكفاية على الأمة، إلا أنه يصبح فرض عين لمن اختاره[3].

لا يزال الإسلاميون اليوم بعيدون عن حجم المؤسسات التي تعبر عنهم وتعكس ذاتهم، وما زالوا يعانون من فردية قد تطيح بالمؤسسة أو تحجّمها، كما يفتقرون إلى التخصص في عملهم رغم أن الحماس كبير، ولكن شتان ما بين الحماسة الصادقة والعلم الصدوق، هذا إن استبعدنا عدم تقدير البعض لقيمة الاختصاص، ما جعلنا نرى مؤتمرات ونشاطات مختلفة الأشكال والعناوين ولكن المتحدثين هم أنفسهم! والمضامين لا تختلف عن بعضها كثيرا !!.

إن قيام التنظيم نفسه على أسس مؤسسية، ثم تحويل كافة الأقسام فيه إلى مؤسسات تضم متفرغين ولا تتأثر بتبدل القيادات وبالانتخابات الداخلية للمكاتب الإدارية المناطقية والمركزية، أمر بغاية الأهمية ومن شأن حصوله أن يحمل التنظيم سنوات عديدة إلى الأمام، لا سيما إذا ترافق ذلك مع تأهيل تراكمي للطاقات ضمن مدرسة تدريبية واحدة.

[1] جاسم المهلهل الياسين، رسائل العاملين، مؤسسة الكلمة، الكويت، ج 2، ص 1022.

[2] عمر عبيد حسنة، نظرات في مسيرة العمل الإسلامي، المكتب الإسلامي، بيروت، ص 21.

[3] عمر عبيد حسنة، مراجعات في الفكر والدعوة والحركة، المكتب الإسلامي، بيروت، ص 154.

الفصل السادس: استنهاض العمل السياسي

المبحث الأول: شبهات حول العمل السياسي الإسلامي - المطلب الأول: الإسلام وشبهة العمل السياسي

العمل السياسي في الإسلام هو اشتغال بالشأن العام الداخلي والخارجي على قاعدة درء المفاسد وجلب المصالح. وفي ظل غياب الحكم الإسلامي يمكن أن نعرّف العمل السياسي وطنيا بأنه الاشتغال بالشأن العام من أجل الوطن والمواطن لتحقيق العدالة والمساواة وللقضاء على الجهل والفقر والفساد، ومن أجل التعاون بين أبناء الوطن الواحد بما فيه المصلحة العامة والتفاعل مع قضايا الأمة، وهو يقوم على تقاطع المصالح مع الآخرين والتظهير الانتخابي للقوة بهدف استثمارها سياسيا.

المطلب الأول: الإسلام وشبهة العمل السياسي

يحلو للبعض جهلا أو مكرا أن يدّعي بأن الإسلام -ذلك الدين العظيم الذي جاء بمكارم الأخلاق كما يقولون- لا شأن له بالسياسة، وتاليا فإنهم يفرقون بين الإسلام العبادي والإسلام السياسي! ليخلصوا إلى اتهام الحركة الإسلامية بالاستغلال الديني أو بالارتهان للعدو!! بهدف سحب البساط من تحت أرجل الإسلاميين، وهذه شبهة لا تستأهل مجرد المناقشة العلمية إذ يكفي هؤلاء أن يقرؤوا القرآن الكريم أو السنة أو السيرة النبوية لمرة واحدة في حياتهم ليكتشفوا حقيقة الإسلام.

يقول الإمام الشهيد حسن البنا رضوان الله عليه" أستطيع أن أجهر في صراحة بأن المسلم لن يتم إسلامه إلا إذا كان سياسيا بعيد النظر في شؤون أمته مهتما بها غيورا عليها.. وعَلِمَ الله أيها السادة أن الإخوان ما كانوا يوما غير سياسيين ولن يكونوا يوما من الأيام غير مسلمين وما فرقت دعوتهم أبدا بين السياسة والدين"[1]، فالإسلام الذي يوافق الفطرة لا يمكن أن يغفل أحد جوانبها الهامة التي ترتكز على بعد إنساني زاد العالم المعاصر من أهميته، حتى ليتعذر على المرء أن يقف بعيدا عن آثاره، الأمر الذي دفع بعض الدارسين إلى وصف الإنسان الحديث بأنه إنسان سياسي[2]، بالرغم من ذلك نجد عند بعض التيارات الإسلامية هروبا من السياسة ونعتا لها بالنجاسة، باعتبار ما يحدث فيها من ألاعيب ومناورات وتبدلات، أو على أساس الحرص على تجنيب العمل الدعوي الآثار السلبية للعمل السياسي. لا شك أن هذا الفكر يعتوره القصور لأن من واجب الحركة الإسلامية أن تطرح الإسلام كاملا كما تنادي به كاملا فهو"دين ودنيا، عقيدة وعبادة، ووطن وجنسية، وسماحة وقوة، وخلق ومادة، وثقافة وقانون[3]"، نظام محكم مفصل )وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ( (النحل 16).

إن السياسة هي رعاية شؤون الأمة في كافة قطاعاتها ولا تقتصر بحال من الأحوال على الحكم والوصول إليه، وليس في الإسلام فصل للدين عن الشأن العام، فالدين كله لله والوطن لله والحكم لله، ونحن مأمورون بالعبودية له وإطاعة أمره وطرح نهجه كاملا متكاملا.

[1] في مؤتمر طلبة الإخوان، مجموعة الرسائل، ص 159-160.

[2] محمد علي محمد وعلي عبد المعطي محمد، السياسة بين النظرية والتطبيق، دار النهضة العربية، بيروت، ص12.

[3] مجموعة الرسائل، ص 159 .

المبحث الأول: شبهات حول العمل السياسي الإسلامي - المطلب الثاني: الإسلام والحزبية

إذا كانت السياسة جزءاً لا يتجزأ من صميم الإسلام وروحه، فإن الحزبية ليست كذلك، وإنما الأساس في ذلك المصلحة المرسلة لخدمة الأصل، وهو تحكيم الإسلام، مع ملاحظة أن العمل الحزبي ليس إلا شكلا من أشكال العمل الجماعي المنظم، وأن الإسلام كله قائم على الجماعية في شؤون الدنيا كما في شؤون الدين[1]. رغم ذلك نجد حرجا لدى بعض الإسلاميين في تبنيهم العمل الحزبي والاعتراف بأنهم أحزاب يقومون بفعل سياسي، ولعل ذلك يعود إلى عهد مبكر في أذهان الرعيل الذي شهد انهيار الخلافة العثمانية على يد قوى وأحزاب ذات مفاهيم غربية، فضلا عن أن الحزبية قد عنت في كثير من الأحيان الخصومة والانغلاق والعصبية المذمومة[2]، وعلى هذا الأساس بيـّن الإمام حسن البنا موقفه من الأحزاب في مصر التي كانت أداة بيد الأجنبي فضلا عن أنها تقوم على المصالح الخاصة أكثر مما تقوم على مصلحة الوطن.

إن العمل الحزبي المنظم يصبح أكثر ضرورة في البلدان متعددة الأديان والطوائف والمذاهب لأن الحكمة -تقتضي والحال هذه- أن تسعى الحركة الإسلامية إلى تحقيق المصالح التي تحفظ الأمة وتتفق مع تعاليم الإسلام، وهذا يحتاج إلى عمل يشترك فيه المسلم مع غير المسلم، الملتزم وغير الملتزم في إطار من التعاون والانفتاح على قاعدة مصلحة الوطن، وما لا يدرك كله لا يترك جله.

إن إنشاء حزب يجمع الإسلاميين مع غير الإسلاميين أو حتى مع غير المسلمين، سيحقق مكاسب كبيرة للحركة الإسلامية وللوطن، لأن الغوص في تفاصيل السياسة بعيدا عن الرؤية المبدئية لنظام الحكم الإسلامي سيميّع الطرح، أما إذا تمت الممارسة السياسية التفصيلية في إطارٍ يجتمع عليه الناس، في ظل بقاء الإطار الآخر الذي يحمل الطرح الإسلامي كاملا من خلال المنتمين للحركة الإسلامية والمؤمنين بأفكارها، فإن عملية الموازنة تصبح أكثر دقة، لأن الطرح لن يتبدل وإن بقي نظريا لتعذر تطبيقه، فيما تتحقق المصلحة الإسلامية والوطنية بالاهتمام بالشأن السياسي الضروري للناس، وهذا مثال واحد وليس الوحيد في فائدة العمل الحزبي، إذ أنه توجد أنظمة عديدة ترفض ممارسة العمل السياسي على أساس ديني، وهناك أنظمة لا تقبل ممارسة السياسة من خلال أفراد بل من خلال جماعات، وكل ذلك يفترض عملا حزبيا منظما، لا نعني به العصبية والحيدة عن المبادئ والطاعة العمياء والحرص على التنظيم أكثر من الحرص على أهدافه، بل ما نقوله إن الحزب ضرورة في بعض المجتمعات كما هي حال المجتمع اللبناني مثلا، وقد لا يكون كذلك في ظروف أخرى وبلدان أخرى كما كانت حال المجتمع المصري أيام دعوة الإمام حسن البنا، حيث كانت الأحزاب مصطنعة أكثر منها حقيقية، وكان رأي الإمام سلبيا فيها، لكن ذلك لم يمنعه من أن يتابع عمله الجماعي.

[1] عبد الرحمن يوسف، مشروعية العمل الجماعي، دار الهجرة للنشر والتوزيع، الرياض، كتيب يتناول بمجمله هذه الفكرة.

[2] صلاح أرقه دان، التخلف السياسي في الفكر الإسلامي المعاصر، دار النفائس، بيروت، ص 107.

المبحث الأول: شبهات حول العمل السياسي الإسلامي - المطلب الثالث: الحركة الإسلامية وشبهة عدم الوطنية

صحيح أن الحركة الإسلامية تقسّم الناس مسلمين وغير مسلمين، وأنها لا تقيم لتلك الحدود التي صنعها البشر وزنا في عملية التواصل والانتماء والاندماج مع الغير، إلا أن الحركة الإسلامية ليست الوحيدة التي تنظر إلى الناس على أنهم قسمان، مسلمون وغير مسلمين، فالشيوعيون ينظرون إلى الناس أنهم قسمان شيوعيون ورأسماليين، والقوميون ينظرون إلى الناس عربا وغير عرب، وكل الأحزاب تفرّق بين المؤمنين بها وغير المؤمنين بطرحها، إلا أن ذلك لا يعني أبدا عدم الوطنية، بل العكس هو الصحيح، لأن التقوقع داخل حدود الوطن والتعصب له وتقسيم الناس إلى مجرد حاملين لهوية معينة وغير حاملين لها، مما لا يقبله منطق سليم، هو التعصب بعينه، أما أن ينظر المسلم نظرة شاملة تتخطى حدود الوطن إلى حدود الأرض وتميز بين الناس وفقا لعقيدتهم فهذا هو السمو بعينه.

ثم إنه عندما يُميز بين المسلم وغير المسلم فإن هذا لا يعني بالضرورة العداوة والبغضاء مع غير المسلمين، وإنما التسامح والدعوة، على عكس كثير من المعتقدات التي لا ترى بأسا في معاداة وبغض مخالفيها، وأفعال أكثر من يتشدق بالوطنية شاهدة على تعصبه بل وتخاذله عن نجدة وطنه عندما يتطلب الأمر تضحية، ومن العجب أن يوصم الإسلاميون دون الناس بقلة الوطنية، رغم أن الحركة الإسلامية هي أكثر من ضحى ويضحي من أجل الوطن على كل صعيد، وقائمة شهدائها الذين سقطوا ضد الغزاة والمحتلين طويلة ولا تضارعها قائمة في أي قطر من الأقطار الإسلامية، وإخلاص الإسلاميين وتجرّدهم شاهد آخر على نقاوتهم من دنس أصيب به دعاة الوطنية الضيقة التي تباع أحيانا لشراء منصب أو مركز. ومع أن هذه التهمة فيها الكثير من الافتراء وهي تدخل في إطار الحملات المسعورة ضد الإسلاميين عالميا ومحليا.. إلا أن سلوك بعض الإسلاميين على مستوى القاعدة وإهمال بعض المراكز القيادية الإسلامية لبعض الشكليات يفتح الباب للمتربصين.

فلماذا لا يرفع الإسلاميون النشيد الوطني في كل نشاط ليس له طابع ديني أو دعوي بحت ما دام النشيد لا يخالف في مضمونه العقيدة الإسلامية؟ ولماذا لا يرفقون في مؤتمراتهم الصحفية ومهرجاناتهم الحركية علم الوطن الذي يعيشون فوق ترابه مع الراية الإسلامية الجامعة، ولماذا لا يتبنون القضايا الوطنية الكبيرة والصغيرة ويحيون الذكريات والمناسبات الوطنية الجادة، ولماذا لا يتحالفون مع القوى الأخرى في جبهة وطنية من أجل الصالح العام؟ ولماذا لا يتم توعية القاعدة الإسلامية حتى لا يصدر عنها ما ينم عن عدم احترام الوطن عن قصد أو بدون قصد؟ لماذا لا يؤّمنون الإطار السياسي الذي يسمح للجميع على اختلاف عقائده وأفكاره أن يشترك معهم في تحقيق أهدافٍ يتفقون عليها في خدمة الوطن والمواطن من دون أن تتصادم مع العقيدة الإسلامية؟ وإذا كان البعض يرى أنه من الضروري المحافظة على نقاء الذهنية الإسلامية من أن تتسرب إليها المفاهيم الأخرى فتميع باختلاطها بها، فإن ذلك مطلوب، ولكن رفع الوعي بمثل هذه المسائل الدقيقة والتحرك باتزان وواقعية هو السبيل، لا الانحراف وراء الانغلاق على النفس، لأن من مصلحة الدعوة أيضا الانفتاح على الآخرين للحصول على الكثير من الإيجابيات لمصلحة الواقع الإسلامي ومن ثم لمصلحة الوطن.

المبحث الأول: شبهات حول العمل السياسي الإسلامي - المطلب الرابع: مشاركة الإسلاميين في الحياة السياسية في ظل أنظمة غير إسلامية

الرسالة العظيمة التي يحملها الإسلاميون إلى العالمين تفرض عليهم أن يسعوا بفارغ الجهد وبكل الطرق المباحة ليصلوا بها إلى كل شرائح المجتمع، يقول الإمام حسن البنا: 'لقد وصلت دعوتنا في المحيط الشعبي حدا من النجاح المشهود والملموس وبقي علينا بعد ذلك أن تصل إلى المحيط الرسمي'.[1]

ومعلوم أن إيصال الدعوة إلى المحيط الرسمي لا يكون إلا من خلال العمل السياسي ومن خلال الانخراط في الحياة السياسية ولو في ظل نظام جاهلي، دون أن تعني المشاركة السياسية في النظام القائم الرضا به. هذه المشاركة تحقق جملة أهداف مفيدة للحركة الإسلامية:

1- المشاركة السياسية انتخابا وترشيحا هي جزء من العمل السياسي، الذي تتبناه الحركة الإسلامية انطلاقا من شمولية الإسلام، والانتخابات العامة على جميع مستوياتها هي عماد العمل السياسي، لأن القوة السياسية تقاس في المجتمعات الديمقراطية بحجم القوة التجييرية من الأصوات الانتخابية.

2- تحقيق مصالح عامة للمسلمين وغير المسلمين، ودرء مفاسد يمكن أن تصيبهم، من خلال رفع شعارات العدالة والمساواة وحقوق الإنسان والقضاء على آفات المجتمع وتطوير واقعه.

3- التحدث باسم الكتلة الناخبة التي أوصلت من رأته أهلا لتمثيلها بعقد وكالة غير مكتوب، وعزوف الحركة الإسلامية عن قبول ثقة جماهيرها بها سوف يجعل الآخرين يصادرون صوت هذه الكتلة الناخبة لتزيدهم قوة.

4- إيصال الصوت الإسلامي والطرح الإسلامي إلى الندوات السياسية كافة وإيجاد التيارات المناصرة لها من القوى الأخرى ليصبح وزن الحالة الإسلامية أشد ثقلا في ميزان التأثير العام.

5- دفعٌ إضافي لشبهات المرجفين الذين ينقِّبون في زوايا تاريخ الحركة الإسلامية عن مواقف وتوجهات تنفِّر الساحة منهم.

6- إعلاء صوت المواقف الإسلامية من أي طرح سياسي أو دستوري متداول من خلال اعتلاء أعلى المنابر التي يهتم الإعلام بنقل خطاباتها، وبذلك تعيش الحركة الإسلامية في قلب الأحداث فترفض ما يصادم قناعاتها وتقبل ما تجيزه هذه القناعات.

7- تأهيل عملي لقيادات العمل الإسلامي على إدارة شؤون البلاد والإمساك بزمام أمور الدولة، وقيادة الجماهير، وهي مهمة توجبها حركة الزمن، على الأقل من وجهة نظر الحركة الإسلامية العقدية التي ترى أن حركة الزمن تسير لصالحها.

هذه بعضٌ من أهداف المشاركة في الأنظمة القائمة، وليس كلها، ولكن النقطة الأهم في هذا الموضوع أن قيام الدولة التي تطمح إليها الحركة الإسلامية أمر غير ممكن التحقيق في كثير من الأقطار التي تتحرك فيها الحركة الإسلامية، لا في الظرف المكاني ولا في الظرف الزماني، خصوصا في البلاد متعددة الطوائف كلبنان، لذلك فإن المشاركة في الأنظمة القائمة يصبح له موجب، انطلاقا من القاعدة الشرعية القائمة على جلب المصالح ودرء المفاسد، وما يتفرع عنها من الموازنة بين المصالح والمفاسد وبالنظر إلى مآلات الأمور، وإباحة المحظورات عند الضرورات.

بالمقابل فإن اعتزال النظام القائم سيقود إلى إحدى نتيجتين: الأولى اعتزال العمل السياسي الذي يصبح دون جدوى، ولا يخفى ما في ذلك من تبعيض للطرح الإسلامي عندما ينـزع عنه العمل السياسي.الثاني: ممارسة العمل السياسي دون المشاركة في آلياته السياسية والانتخابية، وفي ذلك خطر على الحركة الإسلامية لأنه سيكشف ظهرها ويظهرها هزيلة لا تمثل رقما في المعترك السياسي، فضلا عن أن العمل السياسي سيظل ناقصا وغير مجدٍ. ثم إن اعتزال النظام القائم لا يمنح الحركة الإسلامية والشريحة التي تمثلها صك براءة يحجب عنها تدخل النظام في شؤونها، لأنه من مبادئ التشريع أنه يقوم على العمومية والتجريد، وهو يطال المسلمين الملتزمين كما يطال غيرهم، فهم جزء من قاعدة المكلفين باحترام القانون ودفع الضرائب شاؤوا أم أبوا، يحتكمون إلى المحاكم الوضعية والقانون الوضعي ويعاقبون كما غيرهم في حال المخالفة، وتصدر الأحكام القضائية والقوانين التشريعية باسمهم ولمصلحتهم لأن بطاقة هويتهم التي يحملونها تفرض عليهم ذلك. لكن ما مدى هذه المشاركة؟ هل تقتصر على العمل البلدي أم تتعداه إلى المجالس التشريعية؟ أم تصل إلى قلب السلطة التنفيذية؟ لا شك أن هذه المسألة -بعد حسمها شرعيا- تخضع لظروف كل بلد وحال الحركة الإسلامية فيه.

[1] مجلة الإخوان المسلمين 4/11/1944.

المبحث الأول: شبهات حول العمل السياسي الإسلامي - المطلب الخامس: لماذا دائما القوة الانتخابية للحركة الإسلامية أقل من قوتها التمثيلية ؟!

جدير بالملاحظة أن نجد قوة الإسلاميين الانتخابية أضعف من قوتهم الحقيقية دائما، ما يوجب دراسة الأمر، وهو سيشير إلى مجموعة عوامل أهمها:

1-تفرق الإسلاميين جماعات وحركات لها توجهات مختلفة فيما يتعلق بالشأن الانتخابي، وحتى التي تتبنى مشروعا انتخابيا منها، نراها غير متفقة على هذا المشروع فيما بينها.
2- نظرة عدد من الإسلاميين باحتقار إلى العمل السياسي ولا سيما الانتخابي منه، على اعتبار أنه يصرف الدعاة عن العمل الدعوي الحقيقي من وجهة نظرهم.
3- تحريم عدد لا بأس به من التيارات الإسلامية لعملية المشاركة في الأنظمة الحاكمة على اعتبار أن في ذلك مشاركة في الحكم بغير ما أنزل الله، إضافة إلى تمييع الطرح الإسلامي.

4- قناعة عدد من أبناء الحركة الإسلامية أن المشاركة في الانتخابات لن توصل إلى التغيير المرجو لأن الأنظمة إما أن تستوعب الإسلاميين وإما أن تنقلب عليهم إذا اقتربوا من التأثير الحقيقي في النظام، والأمثلة على ذلك شاهدة حية.

5- قلة خبرة الإسلاميين عموما في إدارة المعارك الانتخابية وصياغة خطاباتها وحسن انتقاء حلفائها، ما يجعل الآخرين حلفاء في الظاهر أعداء في الباطن، يأخذون أصوات الإسلاميين ولا يجـّيرون لهم من أصواتهم شيئا، ولو خالف ذلك عقدا أعطوه.

6- تكالب الأعداء على المشروع الإسلامي وتوحدهم على إضعافه، إن بصياغة قوانين تضعف قوتهم الانتخابية أو من خلال تحالفاتهم الانتخابية أو حتى تآمرهم وتزويرهم الواضح والخفي.

لهذه الأسباب مجتمعة تعزف شرائح من الإسلاميين عن المشاركة في الانتخابات ما يضعف الكتلة الناخبة ويظهرها على غير حقيقتها.

لكن الحركة الإسلامية إن لم تتوافق فيما بينها على تقليص عوامل الضعف الانتخابي فإنها لن تحظى باحترام الشرائح الأبعد عنها، وبالتالي سيكون من الصعب أن تحظى بثقتهم الانتخابية، وإذا ما تم تشريح عوامل الضعف هذه ثم مباشرة العمل الدؤوب على إضعافها، فإن الأفق سيكون مفتوحا نحو فاعلية أكبر على الصعيد الانتخابي.

من أجل ذلك يمكن البدء بالفئة التي ترى أن المشاركة في الأنظمة الوضعية حرام في الإسلام، إذ لا بد هنا من خوض حوارات طويلة للتقريب بين الآراء الشرعية، خصوصا أن الرأي الذي يقول بالمشاركة ظاهر الانتشار والغلبة، لأن الذين يقولون بالتحريم لا يميزون بين مشاركة الإسلاميين وبين مشاركة الإسلام للنظام الوضعي[1]، وقد تولى سيدنا يوسف وزارة الموارد لدى فرعون الكافر، والرسول محمدصلى الله عليه وسلم قَبِل الاشتراك في حلف الفضول وقد قال عنه: «لو دعيت إلى مثله لأجبت» رغم أنه حلف بين القبائل غير المسلمة. كما ينبغي التمييز بين الشرعية القانونية ومبعثها انتخاب الشعب، وبين الشرعية الدينية التي تنتج عن تحكيم الشريعة الإسلامية، فالإسلامي عندما يتولى منصب تنفيذي في دولة نظامها جاهلي، مَثلُه كمثل النجاشي الذي أسلم ولكنه لم يقدر على إماطة مظاهر الشرك في دولته، ومع ذلك قال عنه شيخ الإسلام ابن تيميه: "ونحن نعلم قطعا أنه لم يكن يمكنه أن يحكم بينهم بحكم القرآن فإن قومه لا يقرونه على ذلك والنجاشي وأمثاله مع ذلك سعداء في الجنة وإن كانوا لم يلتزموا شرائع الإسلام ما لا يقدرون على التزامه بل كانوا يحكمون بالأحكام التي يمكنهم الحكم بها". الحجج كثيرة ومتنوعة، يمكن تفعيلها في نقاشات هادئة قد تدفع بعدد غير قليل إلى التخلي عن نظرته السلبية فيما يعني هذا الأمر.

أما الفئة الثانية التي تشكك في جدوى هذه العملية فيمكن مقاربتها بشكل أيسر عبر شرح وتوضيح الفوائد الكامنة وراء هذه المشاركة، إضافة إلى تبيان الإنجازات الناتجة عن هذه المشاركة، ولو كانت غير كثيرة من خلال العمل الإعلامي، ويمكن هنا الاستفادة من التجارب النيابية للإسلاميين في عدد من البلدان الإسلامية.

وهناك فئة لا تلتفت إلى العمل السياسي لأنها أصلا لا تطرح الإسلام بشموليته، بل تقتصر على جانب تربوي أو روحي أو اجتماعي، وهذه الفئة يمكن التقرب السياسي إليها والاستفادة من أصواتها تحت شعار دعم الصالحين من المرشحين المسلمين، وإن كان ذلك لن يعني تغييرا في فكر هذه الجماعات، لكن الهدف هنا هو الأفراد ضمن هذه الفئة وليس الفئة بحد ذاتها، فيما يبقى السعي لتنضيج أفكار هذه الجماعات هدفا يُسعى إليه.

وللتغلب على عامل الضعف المتمثل باختلاف البرامج المطروحة لدى التيارات الإسلامية المختلفة فإنه يمكن صياغة توجهات عامة تجمع كل المرشحين الإسلاميين، لأنه من غير المنطقي أن تتنافس تيارات الحركة الإسلامية مع بعضها البعض على مستوى المرشحين إذا كان أعداؤها متكالبين عليها ومجتمعين ضدها، على أن يبقى للتنافس الإسلامي- الإسلامي محلا عندما تخلو الساحة للإسلاميين، فتصبح عندئذ المفاضلة بين أفضل هذه التيارات والله تعالى يقول: )وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ( (المطففين 26). من أجل ذلك وجب التنسيق بين تيارات الحركة الإسلامية على اختلاف مشاربها الفكرية، وأشكالها التنظيمية. والإخوان المسلمون، الحركة الإسلامية الأم، مطالبة باحتضان الجميع، على قاعدة الاعتراف بخصوصية كل تيار وبيان فضله دون تفريط، وعلى قاعدة العمل للإسلام، وعلى قاعدة أن نتفق فيما اتفقنا عليه ويعذر بعضنا بعضا فيما اختلفنا فيه، وبذلك تتم عملية توسيع مساحات الالتقاء والتفاهم لا الافتراق والتخاصم، ثم ينشأ إطار مشترك يجمع التنوعات الإسلامية ويتحدث باسمها في القضايا المشتركة حتى لا تُستفرد حركة أو تُؤخذ على حين غرة، ومن فائدة هذا الإطار المشترك:

- تحصين الساحة الإسلامية الداخلية في مواجهة محاولات أعداء الإسلام لضرب تياراتها ببعضها البعض.

- إظهار قوة الحركة الإسلامية وتوحيد جهودها وترشيدها.

- عزل القوى التي تدعي الإسلام زورا أمام الناس من خلال حرمانها من اللعب على تباينات التيارات الإسلامية بحشر نفسها بينهم وإعاقة حركتهم.

أخيرا فإن من واجب الحركة الإسلامية، وهي تبتغي من وراء الانتخابات الإصلاح في المجتمع، أن تسعى بكل قوة ودراية إلى الحصول على أفضل النتائج للتخفيف من الفارق بين قوتها الحقيقية والتمظهر الانتخابي لهذه القوة، لذلك فإن وجود اللجان المختصة لدراسة وإدارة العملية الانتخابية أمر بغاية الأهمية لما لذلك من النتائج الكبرى في ميدان العمل الحركي بعدما صارت العملية الانتخابية صناعة مصير معقدة تحتاج للكثير من الكفاءات، وهذا الأمر لا يسري على الانتخابات العامة فقط، بل الانتخابات البلدية والنقابية أيضا.

[1] فتحي يكن، أبجديات التصور الإسلامي الحركي، مؤسسة الرسالة، بيروت، ص 165.

المبحث الأول: شبهات حول العمل السياسي الإسلامي - المطلب السادس: التحالفات الانتخابية بين المبدئية والحاجة

لا بد في العمل الانتخابي من أن تعرف كل فئة حجم قوتها التجييرية، الأمر الذي يحظى بأهمية كبيرة في العملية الانتخابية لا سيما في الدوائر غير الفردية، إذ يمكن ضرب عدد الأصوات التي تملكها هذه الفئة أو تلك بعدد المرشحين، فلو كانت الانتخابات مثلا في دائرة معينة تقوم على اختيار عشرة مرشحين وكانت الحركة الإسلامية تملك ألف صوت، في هذه الدائرة فإنه يمكن أن تحولها إلى عشرة آلاف صوت، لأن كل من ينتخب مرشحها قادر في الوقت عينه أن ينتخب تسعة آخرين (من ألوان سياسية أخرى مثلا)، وهنا وجه من وجوه فائدة التحالف مع الآخرين، وليس كلها بطبيعة الحال. وفي الحقيقة فإن ظاهر الأمر قد يبدو وكأنه توسل وسائل غير شرعية للوصول لغايات شرعية، أي أن الغاية هنا بررت الوسيلة، لكن الأمر ليس كذلك البتة، لأن التحالف إعطاء وأخذ من الطرفين وآلية تساعد على الغلبة في المعركة الانتخابية، والتحالفات شأنها شأن الكثير من مفردات العمل السياسي تتعلق بالظروف المحيطة بها، ويُحكم عليها عبر الموازنة بين الأمور، وقد تكون مفيدة وقد لا تكون، حسب اللحظة السياسية وشروطها، يقول ابن تيميه " فتبين أن السيئة تحتمل في موضعين: رفع ما هو أسوأ منها إذا لم ترفع إلا بها، وتحصيل ما هو أنفع من تركها إذا لم تحصّل إلا بها[1]".

[1] مجلة الجماعة، عدد25. الشيخ فيصل مولوي، ص 4.

المبحث الثاني: ملاحظات حول العمل السياسي الإسلامي - المطلب الأول: التخصصية السياسية

لم يعد العمل السياسي اليوم مجرد كفاءة شخصية، إنما بات حصيلة جملة من المعطيات تقوم عليها مؤسسات تخصصية تعنى بالقرارات والبرامج والشعارات والحوارات والانتخابات وإنتاج القيادات، وفي كل جانب متخصصون أهل خبرة ودربة، لكن واقعنا العربي ما زال يعتمد على شخصية "القائد الملهم"، الأمر الذي يجعل العمل السياسي خفيفا في وزنه، عقيما في جدواه، وهذه هي السمة العامة للعمل السياسي الحكومي أو الحزبي، ولعل الإسلاميين بفعل قلة مواردهم المالية إضافة إلى أسباب تربوية ومنهجية، يعانون أكثر من غيرهم من غياب المؤسسات المساندة للعمل السياسي، لذلك نرى غيابا لمعايير القياس الموضوعية، وضبابية في الرؤية السياسية.

إن المؤسسات التخصصية كالمطابخ السياسية ومراكز الدراسات الإستراتيجية وغيرها، ضرورة من ضرورات العمل السياسي الجاد الذي ينبغي على الإسلاميين القيام به من خلال تأمين مستلزماته البشرية والمؤسسية.

المبحث الثاني: ملاحظات حول العمل السياسي الإسلامي - المطلب الثاني: دور الأمين العام في تحقيق النهوض السياسي

يحظى الأمين العام للتنظيم بدور بارز جدا في العمل السياسي، ليس أقله أنه واجهة التنظيم ومحط أنظار متابعيه من القوى الأخرى ومن الرأي العام، ذلك أن واقعنا العربي يركز كثيرا على الشخص الأول وعلى كاريزميته، لذلك لا نبالغ إن قلنا إن القوة الشخصية لحضور الرئيس ومواقفه ترتد قوةً على التنظيم وعلى كل فرد فيه، فإن أحسن التنظيم اختيار أمينه العام فسيعني ذلك حسن السير التصاعدي في قوة الحركة، والعكس بالعكس.

إن للأمين العام مكانة وهيبة يجب أن تبقى محفوظة حرصا على مكانة التنظيم وهيبته ككل، دون أن يعني ذلك إطلاقا تقديسه أو تذويب المؤسسة في شخصه، إلا أن واقع الحال يفرض على القائد أمورا يجب مراعاتها، من باب الحرص على مصلحة الدعوة، وهيبة الرسالة التي يحملها القائد، ولعل بعض الشكليات (كالمظهر الأنيق غير الباذخ والمركوب اللائق والحماية الأمنية المقبولة..) تندرج في باب المصالح المرسلة أو الاستحسان، لأن تكريم الأمين العام تكريم للأمانة التي يحملها، بالمقابل فإن الإهانة إذا وُجهت لشخص الأمين العام فإنها تعني إهانة كل أفراد التنظيم لأنه ممثل لهم، وهكذا تصبح تصرفات هذا القائد مشتركة، يعبر فيها عن نفسه وعن من يقع تحت إمرته،كما أن القائد بدوره معني بأن يرتقي بأفراد تنظيمه نحو العلى، وذلك من خلال أعماله وأقواله، ولعل أكثر ما يبدو للجمهور، المواقف التي تأتي إما على شكل بيانات مكتوبة أو تصريحات أو خطابات قولية، لذلك فإنه يجب أن يكون هذا الخطاب في تجدد دائم، يقدم الجديد في كل مناسبة ويدّخر المواقف الهامة للمناسبات التي يدعى إليها حتى يبعد التقليدية أو التكرار عن خطابه.

في هذا المجال أيضا لا بد من التنبيه إلى ضرورة عدم حرق شخصية القائد عبر تسنّمه كافة المنابر وفي شتى المناسبات، وهو خطأ قد تقع فيه القيادات المناطقية أو المرفقية عبر دعوة الأمين العام ليلقي خطابات في مناسبات عادية أو قليلة الأهمية، ما يرهق الأمين العام ويحوّله عن وظيفته القيادية ويجعل خطابه تقليديا، علما أن من يقوم بهذا التصرف هو غالبا يريد إنجاح النشاط عبر دعوة شخصية لامعة مستسهلا العمل على حشد الناس، إلا أنه سرعان ما سيدرك بأنه أضر بنشاطه وبأمينه العام واستنفذ قدرته على الحشد، ولكن بعد فوات الأوان.

المبحث الثاني: ملاحظات حول العمل السياسي الإسلامي - المطلب الثالث: عوائق في الطرح السياسي الإسلامي المعاصر[1]

بالإجمال ليس ثمة طرح سياسي إسلامي على مستوى المرحلة، يعود ذلك إلى التركيز على العناوين دون المضامين، وعلى بيان الدخيل دون تقديم البديل، كما يعود إلى نظرة دونية للعمل السياسي، أو رؤية خشبية لا تستقرئ الاتجاهات والمواقف، وهو أمر يبدو أنه انتقل من القيادة إلى القاعدة، ومن ثم إلى الجماهير، هذا الواقع لا ينفي اشتغال العديد من الحركات الإسلامية بالسياسة إلى أبعد مستوياتها، لذلك لا بد أن نتوقف باختصار عند أهم المظاهر السلبية في الممارسة السياسية المعاصرة بهدف إصلاحها:

1- سيطرة نظرية المؤامرة: يستسهل بعض الإسلاميين التبرير لفشلهم السياسي بالحديث عن المؤامرة الكبرى التي تستهدف الأمة الإسلامية عموما والإسلاميين خصوصا، ويستشهدون على ذلك بالوقائع التاريخية الكبرى والأحداث الراهنة، وهي وقائع صحيحة لا يمكن إغفالها، لكن الذي لا يجوز هو أن تتحول هذه المؤامرة إلى شمّاعة يـُعلّق عليها الفشل دائما، فالكثير من السقطات يمكن تلافيها بالحكمة، والكثير من مظاهر الفشل يمكن أن يتم تجاوزها بالتخطيط السليم، وإن كان ثمة متآمرين في قضايا معينة قرارها بيد أعدائنا، إلا أن العديد من مشاكلنا هي من صنع أيدينا!

2- سيطرة ثقافة الخصام مع السلطة: مازال الطرح الإسلامي يعيش أزمة صراعه مع السلطة لدرجة يصعب معها أن تقدم الحركة باتجاه التعامل بإيجابية مع أية سلطة، بل إنه لفرط ما سادت هذه الثقافة في أدبيات الحركة الإسلامية، فإن القيادة الإسلامية لا تنجو من رفض وتشكيك القاعدة إن هي داهنت أو فاوضت أو تفاهمت مع نظام حاكم، حتى ولو كان في ذلك مصلحة واضحة للعمل الإسلامي عموما، صحيح أن معظم الأنظمة تظلم الحالة الإسلامية لاعتبارات عديدة، أهمها أنها تعتبرها البديل الطبيعي لها، لكن هذا الواقع لا يقتضي التعميم، خصوصا أننا نصنعه في كثير من الأحوال من خلال احتشاد ثقافة المواجهة والمحنة في أدبياتنا كإسلاميين، كأن الزمن توقف في فترة معينة سام فيها النظام أمّ الحركات الإسلامية عسفا وظلما، حتى بتنا لا نتصور أن نلتقي مع أي نظام قائم عند منتصف الطريق... دائما نريد أن يصل القرآن إلى السلطان ولكننا لم نتخيل مرة أن يصل أهل السلطان إلى القرآن، لذا لم نعمل على تحقيق ذلك.

3- رفض كل مظاهر السياسة الغربية: يتغنى الكثير من الإسلاميين بالقيم وبالحضارة الإسلامية رافضين أي مظهر من مظاهر الحضارة الغربية التي تلتقي في جوهرها -وليس بكل تفصيلاتها بالضرورة- مع أسسنا الإسلامية كالحرية والانتخاب والأحزاب وتوازن السلطات والقانون الدولي وشرعة حقوق الإنسان، فضلا عن رفضهم المطلق لمفهوم الديمقراطية وآلياتها... ولا يبذل هؤلاء أي جهد لتنقية هذه المفاهيم من ثوابت الممارسة الغربية المنحرفة فيلجؤون إلى التعميم والرفض ويصمون خطابهم بأيديهم بالرجعية والتأخر ما يبعدهم عن شعوبهم ويفتح المجال للتشنيع عليهم.

4- إعتبار النقد الموجه للخطاب، نقدا للإسلام: تكثر الانتقادات والمناكفات والصراعات في العمل السياسي، سواء مارسه الإسلاميون أو غيرهم، لكننا نرى لدى رموز وجماهير العمل الإسلامي ظاهرة غريبة تقوم على تضليل الآخر -إن لم نقل تكفيره– إذا ما تجرأ على نقد الطرح الإسلامي في ميدان العمل السياسي، على اعتبار أن كل ما يصدر عن الحركة الإسلامية هو تعبير عن الإسلام نفسه، وهذا غير صحيح البتة، لأنه لا يجوز أن تنتقل العصمة والقدسية من المبادئ الإسلامية إلى الاجتهاد البشري، وليس من الكياسة في شيء، أن نحمّل أي نقد أو رفض لطرحنا السياسي إلى الإسلام نفسه، لنبرر هجومنا على "الضالين المضلين الذين تجرؤوا على دين الله.إن الحكمة تقتضي منا أن نبحث للآخرين عن ألف سبب يبعدهم عن شبهة رفض الحكم الشرعي في معرض انتقادهم لطرح الحركة الإسلامية، وفي ذلك مصلحة لنا وللمنتقدين، لأن الحوار المطلوب لا يستقيم تحت سيف التفسيق أو التكفير[2].

5- استحضار التاريخ في الحكم على الواقع: نتيجة بث تربوي معين نجد لدى شرائح عديدة من الإسلاميين استحضارا للتاريخ في معرض الحكم على الواقع، ليس من باب الاتعاظ منه وأخذ العبرة، وإنما من أجل محاكمة الآخر على جرم اقترفه أسلافه منذ مئات السنين، ونتيجة وقائع تاريخية أغلبها مختلف عليه، يحدث انقطاع في التواصل بين العديد من شرائح المجتمع وطوائفه ومذاهبه، لدرجة أن العديد من المصطلحات والأحكام الشرعية التي تتناسب مع الواقع في حقبة معينة، ما تزال حاضرة في القرن الحادي والعشرين لدى التعامل مع المسائل، ومن ذلك على سبيل المثال تقسيم الأرض إلى دار كفر ودار إسلام، وهي المسألة التي أشرنا إليها في القسم الأول من هذا الكتاب، إضافة إلى الوقائع التاريخية المرتبطة بالخلافة ونشوء عدد من الجماعات، والفتن التي وقعت بين المسلمين.

6- توهم المثالية: يواكب الطرح الإسلامي مثالية مفرطة تجعل تحققه أمراً مشكوكا فيه لدى الجماهير الواعية، وسرابا لا يـُدرك لدى الجماهير البسيطة التي تؤمن به، إذ لا يمكن أن نتصور بحال أن الشر سيختفي جملة إذا ما تبنى الناس الطرح الإسلامي...صحيح أننا نعتقد أن فيه السعادة في الدنيا والآخرة، ولكن هذه السعادة لا تعني بحال من الأحوال أن الشقاء والتعاسة ستغيب عن هذه البسيطة. إن الاعتدال في الطرح وفي توقّع نتائجه ضروري حفاظا على الطرح نفسه.

7- البعد عن قضايا الناس: يركز الإسلاميون كثيرا على قضايا الحكم والدولة والفساد في الإدارة والحيدة عن الثوابت، وفي ذلك خير، لكن كثيرا من الناس لا تفقه ذلك أو لا تأبه له... ما يهم جميع الناس القضايا التي تمسهم بشكل مباشر، المعيشة والمستقبل والأمان والضمان... ومطالب الحياة المحقة... وإذا لم يجد المواطن من يحمل همومه من الإسلاميين فسيلجأ لغيرهم!

8- حرق المراحل: فقه التدرج في المراحل والمطالب غائب في كثير من الأحوال في العمل الإسلامي، ليس ثمة تمهيد من المرحلة السابقة الى المرحلة التالية، نحن نطرح المثالية الإسلامية ونريد أن نغيـّر مجتمعاتنا بين ليلة وضحاها، إن المفاصلة بين الحق والباطل جعلتنا لا نرضى بأقل من تحكيم الإسلام جملة، لكن النتيجة أننا نخسره جملة، خصوصا إذا ما قام بعض العملاء باختراق ساحتنا وافتعال أمور ينفذها بعض البلهاء الذين يظنون أنهم يقومون بقربى إلى الله.

9- غياب الرؤية التفصيلية: ما يزال الطرح الإسلامي بعيدا عن البرامج والاجتهادات الحياتية والسياسية، ذلك أن بعض الإسلاميين يعتبرون مشاكل العالم اليوم ما هي إلا نتاج الحضارة الغربية وابتعاد المسلمين عن دينهم، وطالما أنها ليست من صنعهم فهم غير معنيين بحلها، وعلى المجتمع أن يؤمن بطرحهم لينجلي عنه ما يكدر عيشه، وما سوى ذلك فلا يعني الإسلاميين بشيء! هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن بعض الإسلاميين يرددون شعارات فيها الكثير من التعميم، دون سعي جدي لتنـزيلها على الواقع في برامج ورؤى واضحة.

[1] أنظر في ذلك كتاب تأملات في الواقع الإسلامي لعمر عبيد حسنة، المكتب الإسلامي، بيروت، وأنظر أيضا في كتاب ضرورة النقد الذاتي للحركة الإسلامية لنفس المؤلف، مؤسسة الرسالة، بيروت.

[2] أنظر في ذلك كتاب أدب الاختلاف في الإسلام لطه جابر العلواني، المعهد العالي للفكر الإسلامي، الرياض.

الفصل السابع: استنهاض العمل الإعلامي

المطلب الأول: الإعلام والتحكم الإعلامي

  • الإعلام

الإعلام هو إيصال المعلومة، وعملية التوصيل هذه تتركب من عناصر عدة تتكامل معا لبلوغ الهدف المطلوب، هذه العناصر هي:

- المعلومة بحد ذاتها من حيث ثبوتها ومضمونها وصوابها..

- المـُعلِم الذي ينقل المعلومة لجهة طريقة عرضها.

- الوسيلة المستخدمة لإيصال المعلومة.

- المتلقي الذي يتلقى المعلومة.

التحكم الإعلامي

إذا كان الإعلام هو بث المعلومة، فإن التحكم الإعلامي يعني كيفية استعمال هذه المعلومة وتوظيفها في تغيير مجرى التفكير ودفع الاتجاهات النفسية إلى أهداف مقصودة ومحددة مسبقا، وعملية التحكم هذه هي الأهم إذ تكمن وراءها مجموعة علوم وخبرات وتخصصات تساهم في صناعة الاتجاهات التفكيرية والنفسية، فيما يعرف بالرأي العام1.

إن كل حركة شمولية أو جزئية تحتاج إلى الإعلام لتضمن لنفسها الحياة بناء على الرسالة التي صنعتها لنفسها، ولكن الحركة الإسلامية هي أكثر من يحتاج إلى الإعلام لتبليغ الرسالة التي أرادها الله وأمر بتبليغها، ذلك أن مضمون المعلومة لدى الإسلاميين، من الأهمية أن فيه السعادة في الدنيا والآخرة وهو قول من رب العالمين ورسوله الأمين.

1 عمر عبيد حسنة، مراجعات في الفكر والدعوة والحركة، المكتب الإسلامي، بيروت، ص 71.

المطلب الثاني: تعاظم دور الإعلام مع تطور وسائله

لقد كان الإعلام بالماضي ضرورة للتعبير عن الذات، إلا أنه اليوم أكثر من ذلك لأنه كان فيما مضى انعكاس للحدث، وهو اليوم صانعه، لما له من دور في صناعة القناعات وتاليا تشكيل القوى الشعبية.

لقد بات بمقدور الصناعة الإعلامية اليوم أن تستعمر شعوبا دون أن تدري، بل إن هذه الشعوب ربما تبالغ في التغني بالاستقلال والسيادة في حين أن المستعمر يجتاح بيوتها ومعتقداتها يوميا‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍، وفي عالم اليوم بتنا نعيش في دول مختلفة سياسيا وجغرافيا، ولكننا نعيش في دولة واحدة إعلاميا، لأن وسائل الإعلام الحديثة حطمت الحدود الجغرافية واختزلت المسافات والأزمان، لدرجة أن الإنسان بات بمقدوره أن يحمل العالم في حقيبة يد تزوده بجميع أخبار الأرض والفضاء لحظيا.

بناء عليه فإن مفهوم السيادة الصارم بات شيئا من الماضي لأن الإعلام صار قادرا على اختراق الحدود وبث المعلومة التي تسعد أو تغضب النظام القائم في أي بلد، فيما الأقمار الصناعية تجوب الفضاء وتعد أنفاس الناس، وكل ذلك يدعو للتوجس من خطر التحكم الإعلامي الذي بات صناعة من الحجم الثقيل، له أنشِئت الجامعات والمعاهد وسُخرت العلوم والخبرات.

المطلب الثالث: الإسلاميون والتطور الإعلامي

لن نجافي الحقيقة إذا قلنا إن الحروب والاشتباكات الإعلامية في هذه الأيام كثيرا ما تعلو على صوت الحروب والاشتباكات العسكرية، وأن الصناعة الإعلامية باتت في كثير من البلدان الغربية أهم من الصناعة العسكرية، أما في بلدان المسلمين فإن التخلف الإعلامي واضح وهو أحد مظاهر التخلف العامة[1]، هذا التخلف أصاب الحركة الإسلامية أيضا، حيث فشل الإسلاميون بالتأثير المطلوب في الشريحة الأقرب لهم، وهم رواد المساجد، فكيف بالشرائح الأبعد عنهم؟ بدليل أن نسبة كبيرة من جمهور المسجد لا تمنح صوتها للمشروع الإسلامي إذا ما جرت انتخابات نقابية أو بلدية أو نيابية أو رئاسية، هذا فضلا عن التخلف عن إدراك الوسائل الإعلامية المتطورة التي مازالت حكرا على المعادين يشوهون فيها صورة الإسلام ويصنعون التيارات المناوئة له. وقد يقال في هذا المجال إن الاستبداد السياسي والإعلامي هو السبب، وقد يصح ذلك في أكثر البلدان الإسلامية المسكينة، ولكنه لا يصح في جميع البلاد الإسلامية، كما أن الوسيلة الإعلامية صارت على قدر من التطور بحيث تستطيع أن تتحدى الإرادة السياسية في أي بلد من خلال التمركز خارجه، وممارسة دورها في البث الفضائي الرقمي العادي أو المرمز أو البث الطرفي من خلال شبكة الإنترنت. وهنا يأتي دور العائق المادي الذي يكثر الحديث عنه..إلا أن أمرا بهذا القدر الهائل من الأهمية لهو من أوجب الواجبات التي على الحركة الإسلامية أن تستعصر نفسها من أجل إفراز المال الكافي له، لأنه سلاحها الذي تكبر به وتنمو.

أما الوسائل التقليدية التي مازالت الحركة الإسلامية تمتلكها دون سواها كمنابر الجمعة ومحاريب الجماعة ومواقف الوعظ في المآتم والمناسبات فإن الاستبداد والقمع يقف عاجزا إلى حد ما في انتزاعها من الإسلاميين، وهي فضلا عن ذلك لا تتطلب توظيفات مالية ترهق الحركة، ولكن هل ُأحسِن استخدامها وتوظيفها في عملية التحكم الإعلامي؟؟ ونحن نشهد عددا من الخطب الساذجة أو السطحية التي لا تحاكي هموم الناس، ومنها ما هو حاد يزيد من الارتماء في أحضان الإعلام المضاد، ومنها ما هو حماسي يستثير العواطف ولا يحرك العقول!!

إن ترشيد الخطاب المسجدي التقليدي ليس بالأمر العسير بالرغم من انتماء الخطباء إلى مشارب دينية متعددة، وهو ممكن من خلال نشرة أو مجلة أسبوعية تصل لكل خطيب أو واعظ لتمارس التوجيه العام في القضايا الكبرى على الأقل، إلا أن استنقاذ الإعلام التقليدي ما هو إلا البداية لأنه لابد من المطبعة الإسلامية والجريدة الإسلامية والإذاعة الإسلامية والتلفاز الإسلامي والمسرح الإسلامي، وشركات الإنتاج الفني والمعلوماتي الإسلامية.

[1] المرجع السابق، ص 60. وما بعدها

المطلب الرابع : الإدارة الإعلامية المركزية

المشروعات الإعلامية لابد لها من جهاز يشرف عليها حتى لا تتضارب في توجهاتها، وحتى تؤدي ما أنيط بها من مهام بفعالية، فضلا عن ضرورات التطوير والتوسيع، وعليه فإن الحركة الإسلامية مدعوة لإنشاء الإدارة الإعلامية المركزية التي يقع على عاتقها:

1- بث أخبار جميع الأنشطة والمواقف المتعلقة بالحركة الإسلامية من خلال الوسائل الإعلامية، التي تملكها الحركة والتي لا تملكها.
2- وضع السياسة الإنبائية والتوجيهية لجميع المشروعات الإعلامية التابعة، وتحديثها وتطويرها مع تطور الوسائل وازديادها، إضافة إلى التنسيق الفعال فيما بينها.
3- مراقبة جميع المشروعات الإعلامية التابعة وممارسة سلطة الوصاية عليها.
4- رصد ما يبث من جميع الوسائل الإعلامية وتحليله لاتخاذ الموقف منه.
5- الاستفادة من الأحداث والمواسم لتحقيق ظهور إعلامي مميز، من خلال إطلاق مجموعة من أصحاب الكفاءات الكتابية والكلامية، بغير صفات حركية، وتدريبهم كمختصين في مجالات تهم الرأي العام، وإطلاعهم على الخلفيات السياسية والفكرية لكل وسيلة إعلامية.
6- العمل على الترويج للمصطلحات التي تتناسب مع طروحات الحركة الإسلامية.
7- توثيق الارتباط بالإعلاميين ووسائل الإعلام ومحاولة التواصل معهم من خلال مواثيق عمل إعلامية، فضلا عن الاستفادة من الإعلاميين الإسلاميين أو المتعاطفين مع طروحات الحركة الإسلامية.
8- تنفيذ حملات إعلامية وإعلانية من خلال المؤسسات التابعة أو المتعاونة بشكل متزامن.
9- عقد المؤتمرات والاجتماعات واللقاءات التي تعنى بالإعلام وتطويره.
10- تدريب وتأهيل المزيد من الطاقات الإعلامية من الذكور والإناث، وتزويدهم بكل جديد، خصوصا مهارات التوجيه والتحكم الإعلامي.

الفصل الثامن: التنمية في العمل الحركي (الإنتاجية)

المبحث الأول: مفاهيم التنمية الحركية - المطلب الأول: التنمية البشرية والمادية

التنمية البشرية

الحركة الإسلامية، حركة جذرية -شمولية- جماهيرية (كما ذكرنا سابقا) تتغيا إصلاح المجتمع وإعادته إلى جذوره الدينية الصحيحة عبر جعله متبنيا أو متعاطفا مع الأفكار التي تطرحها الحركة، وكلما تبنى المجتمع رؤية الحركة الإسلامية، كلما أفرز من أبنائه (غالبا الشباب) من يمد الحركة بالقدرة على التحرك، وهذا يعني أن الحركة الإسلامية تنشر أفكارا دعوية سياسية موجهة، هي الأرضية التي تتحرك من خلالها، لتعمل في الحقل الطالبي، الرياضي، الاجتماعي، الدعوي...، والحصيلة مزيد من الاقتناع بطرح الحركة الإسلامية الذي يترجم عمليا بأعداد جديدة من المنتسبين للجسم التنظيمي للحركة، وهذا ما يمكن أن نطلق عليه التنمية أو الإنتاجية البشرية، وهي قسمان:

- القسم الأول هو التنمية البشرية الجماهيرية أي عدد الأفراد الجدد المقتنعين بالطرح الإسلامي خلال مدة معينة (الإنتاج العام).

- القسم الثاني هو عدد المنتسبين الجدد للحركة خلال مدة معينة.

ومن نافلة القول أن إحصاء التنمية (الإنتاجية) في القسم الثاني أسهل وأدق بكثير منه في القسم الأول.

التنمية المادية

إن وجود أعداد مقبولة من المنتمين للحركة الإسلامية لا يكفي، فبفعل الضرورة والواقع ستنشأ مجموعة مؤسسات وصروح تابعة أو رديفة للعمل الحركي، ما يمكن أن نطلق عليه التنمية المادية الثابتة.

كما أن وجود التنظيم يفترض وجود أموال هي عصب العمل الحركي، وهو ما يمكن أن يتأمن من اشتراكات المنتمين التي يتابع تحصيلها جهاز خاص، ومن مصادر الدخل المختلفة الأخرى (تبرعات، صدقات، زكاة أموال تنفق في سبيل الله...)، مع إمكانية استثمار الفائض في مشاريع تدر ربحا أو ريعا يعود على مالية التنظيم، وهو ما يمكن أن نطلق عليه التنمية المادية السائلة. وهكذا نصبح أمام وسائل قياس واضحة لمدى نجاح الحركة في فترة زمنية محددة.

المبحث الأول: مفاهيم التنمية الحركية - المطلب الثاني: ميادين التنمية البشرية

إن الجسم التنظيمي كالجسم البشري ينمو ويكبر وينضج ويشيخ، وهو ليس وعاء يزداد فيه عدد المنتسبين دون أن ينقص، بل هو جسم له بابان، باب للدخول وآخر للخروج، فإذا كان عدد المنتسبين الجدد يفوق عدد الخارجين من الجسم التنظيمي أو المترهلين فيه، فهذا يعني أن هذه الحركة في نماء، والحالة المعاكسة تعني أن الحركة في ضمور، كما أن العناصر القديمة في الجسم التنظيمي بقدر ما تنضج مع الوقت، بقدر ما تشيخ وتفقد حيويتها، وبقدر ما تحتاج إليها الحركة لخبرتها، هي بالمقابل بحاجة إلى دم جديد يضخ الشباب في الجسم الحركي.

وبنظرة سريعة يمكن اعتبار ميدان العمل الدعوي (المسجدي أو غيره)، الطالبي (المدرسي أو الجامعي)، الرياضي، هي الميادين الثلاثة الرئيسة في استقطاب العناصر الجديدة للحركة الإسلامية، أما العمل الإعلامي-السياسي-الاجتماعي فإنه يستهلك اهتمامات هذه العناصر الجديدة، وبالتالي فإن نجاح العمل الاجتماعي أو السياسي لا بد من أن يردف بعمل في المجال الدعوي والطالبي والرياضي لتحصيل عائد هذا النجاح وترجمته عمليا تنمية بشرية. وعليه فإن العلاقة متبادلة، فلا تنمية دون أرضية إعلامية -سياسية ولا أهمية لأي جهد (اجتماعيا على سبيل المثال) إذا لم يُستتبع باستقطاب بشري من خلال الميادين الثلاثة سالفة الذكر.

لكن هذه النظرة لميادين التنمية البشرية ربما تكون قديمة وتقليدية، فإذا كان العمل الاجتماعي الإسلامي يصنف على أنه ميدان غير منتج بشريا (بالمفهوم الخاص أي لجهة عدد المنتسبين الجدد) فإن تطور الرؤية سوف تضعنا أمام نتيجة معاكسة وربما مفاجئة، وهذا ما تظهره نتيجة اللامركزية المرفقية للحركة الإسلامية التي تقوم على إنشاء مؤسسات اجتماعية –إغاثية- صحية … سوف تجد بالتأكيد من يعمل فيها من غير المتبنين للطرح الإسلامي بل ربما من المشككين فيه، ولكن الاحتكاك المباشر بأبناء الحركة الإسلامية ومشاركتهم طرحهم ولو تقيّدا بنظام المؤسسة المرفقية (كالمستوصف مثلا) سوف يحوّل هذه العناصر شيئا فشيئا نحو الحركة الإسلامية، بل قد يصبح الانضمام التنظيمي تحصيل حاصل بعد أعوام من خدمة العمل الإسلامي.

المبحث الأول: مفاهيم التنمية الحركية - المطلب الثالث: عوامل زيادة الإنتاجية البشرية

زيادة الإنتاجية الخاصة

قد تكتفي الجماهير بتبني طرح الحركة الإسلامية دون أن تفرز من بينها من يتجشّم عناء العمل التنظيمي، على اعتبار أن هذا العمل سوف يعني تضحية بالوقت والمال، وربما بالنفس في ظل الأنظمة القمعية أو تحت ظلال العمل الجهادي تجاه أعداء الأمة، والناس بطبيعتهم ميالون إلى الدعة، وهم بذلك لن يشعروا أنهم يخالفون واجبا شرعيا ما أقاموا تعاليم دينهم، ولكن الحقيقة غير ذلك لأن واجب إعادة الأمة إلى جذورها فرض كفاية على مجموع الأمة إذا لم تقم به الثلة الكافية أثمت كل الأمة، من أجل ذلك كان لا بد للحركة الإسلامية من أن تضع حوافز للأفراد لكي يرغبوا بالانتساب أكثر إليها.

هذه الحوافز تقوم على صناعة إنسان متميز ومصان، فمن ينتسب للحركة الإسلامية يجب أن يخضع لدورات تثقيفية تزيد من رصيده الثقافي، ولا بد أن يخضع لرياضة روحية يتقوى بها على المفاسد الكثيرة معتمدا على تعاضده مع إخوانه، كما تتعزز هذه الإنتاجية بصيانة هذا الإنسان عبر دعمه في مشاريعه المعيشية والوقوف إلى جانبه ماديا إذا غدرت به الأيام أو إذا هاجمه المرض، فضلا عن أن البارزين من أبناء الحركة الإسلامية سوف يكونون محط الاختيار لتقديمهم للناس مرشحين وقادة.

هذه الحوافز سلاح ذو حدين، فإذا ُأحسن استخدامها سوف تنشط الإنتاجية البشرية بمفهومها الخاص ولكنها قد تحوّل الحركة إلى مجموعة وصوليين إذا تم التركيز عليها، لأن الأصل هو الالتزام بالشروط التكليفية الشرعية والتضحية من أجلها، ما يجعل هذه الحوافز تأتي في المرتبة الثانية بالنسبة للهدف الأساس من الانتساب التنظيمي، ولذلك قلنا إن زيادة الإنتاجية البشرية الخاصة لا يأتي إلا بالتركيز على العمل الدعوي - الطالبي - الرياضي.

زيادة الإنتاجية العامة

الإنتاج العام هو زيادة الجماهير المتعاطفة أو المتبنية للطرح الحركي، وسبيل ذلك التركيز على العمل الإعلامي - السياسي -الاجتماعي بشكل خاص، وهنا لا بد من الوقوف على أهمية رفع الشعارات لأنها تشكل عناوين سهلة الفهم والحفظ لدى الجماهير ما يسهّل فهم الطرح الحركي وتبسيطه والتفاعل معه، والشعارات التي نعنيها هنا هي تلك الشعارات التفصيلية، كأن يكون شعار المرحلة "الحفاظ على حقوق الإنسان" مثلا أو" الإنماء المبرمج في منطقة معينة" وليس تلك الشعارات الفضفاضة الشاملة كأن نقول "الإسلام هو الحل" ذلك أن تحول المجتمع نحو الإسلام الكامل لن يأتي انقلابيا ولكن تدريجا، ما يتطلب شعارا لكل مرحلة.

من ناحية أخرى فإن الاستيعاب العام يحتاج إلى رموز ودعاة قادرين على تمثّل آمال الجماهير وترشيدها، وهو ليس بالهين ويحتاج إلى صناعة إعلامية وبشرية من العيار الثقيل.

وبهذا تصبح أجهزة العمل الدعوي والطالبي والرياضي أجهزة استقطاب واستخدام، تساعدها أجهزة العمل السياسي والإعلامي والنقابي والبلدي والنيابي والاجتماعي من خلال تأمين الأجواء الملائمة لعملها.

المبحث الأول: مفاهيم التنمية الحركية - المطلب الرابع: مظاهر غير حقيقية للإنتاج العام

يفرح الكثيرون بالقدرة على الحشد ويعتبرها البعض مقياس نجاح الأعمال، والحقيقة غير ذلك، إلا أن الفطرة البشرية تميل نحو تمجيد الجموع وإظهار القوة من خلالها، بالرغم من أن التجمعات ليست بالضرورة دلالة على قوة الرباط التنظيمي والإيمان بالفكرة، بقدر ما هي تفاعل مع الحدث، وتحرك في ظروفه.

فلجهة التفاعل مع الحدث، نرى في أحيان كثيرة جموعا تعد بمئات الآلاف وربما بالملايين تفاعلت مع حدث معين فخرجت تعبر عن نفسها، دون أن يعني ذلك إطلاقا إيمانها بما يطرح في هذا التجمع، مثال ذلك، أن يدعو حزب سياسي إلى احتفال في ليلة رأس السنة الميلادية في مجتمع كثير الابتهاج بهذه المناسبة، وبحضور الراقصين والراقصات والمغنين والمغنيات، كم يجمع؟ ربما يحشد مليون شخص إن أحسن الإخراج والتنظيم، ولكن هل يعدّ هذا دليلا على قوته؟؟ بالطبع لا لأن الحدث هو الذي جمع الناس وليس طروحاته السياسية. وقس على ذلك الكثير في جميع المناسبات سيما تلك التي تُستثار فيها المشاعر وتـُغّيب العقول.

وإذا دعت حركة لتكريم شريحة معينة، لنقل إنها العمال أو الطلاب في يوم العمال أو لمناسبة تخرج الطلاب وحضر الآلاف فهل يعني ذلك إيمان هؤلاء بالطرح السياسي لهذه الحركة؟ أيضا الجواب بالنفي.

وأما عن تأثير الظروف في التحكم بحجم الحشد، فالأمر غير خاف، فليس تجاوب الناس مع دعوة محاربة يضارع تجاوبهم مع دعوة مباركة من الجهات النافذة، ولو آمن أكثرهم بالدعوة الأولى وأقلهم بالثانية، إلا أن الحضور سيتأثر قطعا بالظرف الأمني، كما أن الناس تميل إلى صاحب العزوة والنفوذ طمعا في تحقيق المآرب وهذا يؤثر في حجم الكتلة البشرية المتحركة، بل إن العديد من الأنظمة الاستبدادية تُظهر حجم تأييدها الشعبي على خلاف الحقيقة عندما تفرض تعطيل المدارس والجامعات وإنزال الطلبة إلى الشوارع في مظاهرات الدعم والتأييد الفارغة من المؤيدين الواعين أو القادرين على الاختيار !!

ثم يأتي دور المكان والزمان والإخراج والتنظيم والدعاية والبرنامج وغيرها مما يعتبر مؤثرات في حجم الحضور، وحتى لو قام حزبان متنافسان في نفس الحدث (لنقل إنه الانتخابات) وفي نفس الوقت وبنفس الظروف الأمنية والسياسية، ومع نفس القدر من الدعاية وحسن التنظيم والبرنامج، بالدعوة إلى حشد تأييدي، فإن ذلك –إن لامس الصدقية في مقياس القوة– إلا أنه لا يعتبر مقياسا مطلقا للقوة لأن الكتل السياسية أنواع وربما تكون طبيعة كتلة معينة غير قابلة للتجاوب بحجم كبير،كأن تكون كتلة مثقفة جدا أو نخبوية أو طبقية أو غير ذلك.

هذا يعني أن أي تجمع بشري يدل على قوة الحشد وليس على قوة التأييد، وقد بينّا الفرق الواضح بينهما.

ولكن هل معنى هذا عدم الاكتراث بحجم الحضور؟ بالقطع لا، بالرغم من التأكيد على أن حجم الحضور لا هو مقياس قوة ولا مقياس نجاح عام، وما الاهتمام بالحضور إلا تمشيا مع الطبيعة البشرية التي تميل إلى الكثرة وتسعد بها، بل ويتأثر حسن أدائها بحجم الحشد.

وعليه لا بد من وضع حد أدنى لحجم الحضور المقدر لأي نشاط تبعا لنوع الحدث، بعد أخذ جميع الظروف بعين الاعتبار، ثم يتم السعي لتأمين هذا الحشد، تحت طائلة اعتبار النشاط فاشلا (بالمفهوم الشائع) لأن ترك الأمور دون تقييد تعني أن النشاط قد انقلب إلى ضده، وبدل أن يعطي صورة عن قوة الحركة لدى المتابعين، سوف يعطي صورة عن ضعفها.

إن أية حركة غير مجبرة إطلاقا على أن تقيم نشاطا قائما على الحشد البشري (مهرجان خطابي – احتفال..) إذا درست الظروف ووجدتها غير منتجة لصورة تدل على قوة هذه الحركة، ولو درجت على الاحتفال بهذه المناسبة أو تلك، لأن عدم إخراج صورة الضعف على التحشيد خير من الظهور بمظهر هزيل يفت من معنويات المشاركين قبل غيرهم، وخصوصا إذا ما تم قذف أسماء لامعة أملا في زيادة الحشود، فإذا بها تحترق في هشاشة الحضور، فتكون الطامة أكبر!

وليست المناسبة هي التي تحكم الحركة، وإنما الحركة تتحكم في تفاعلها مع المناسبات، وليست النشاطات المؤثرة في المجتمع هي فقط احتفال جماهيري يحضره غالبا نفس الجمهور، وإنما العديد من الأنشطة الصامتة الأخرى التي قد تخدم دعوة أية حركة وطرحها بشكل أفضل، فلو مارست إحدى الحركات دعاية مبرمجة في أوساط الطلاب في صروحهم التعليمية، واستطاعت أن تحاكي مشاكلهم وتنال ثقتهم وتاليا تستقطبهم، فإن في ذلك إنتاج أكثر أهمية، هذا دون إغفال أهمية النشاطات العامة التي هي إعلامية أكثر منها إنتاجية.

المبحث الثاني: تفعيل التنمية الحركية - المطلب الأول: الاستقطاب

بهدف تفعيل الإنتاجية البشرية في العمل الحركي، ينبغي إيلاء عناية خاصة لعملية استقطاب العناصر الجديدة لا سيما النوعية منها.

هذه العملية قد تتم من خلال إقدام العناصر الراغبة بالانتماء إلى التنظيم، الأمر الذي يفترض أن يكون الطريق واضحا ومعلوما، أي أن يكون أي "مقرب" قادر ببساطة على معرفة الشخص الذي يمكنه طلب الانتساب إلى التنظيم من خلاله، ولا مانع من أن تكون ثمة طلبات جاهزة في كل مركز، وبطبيعة الحال لا يعني تقديم الطلب حتمية الانتساب، بل ينبغي أن تخضع الطلبات إلى تمحيص دقيق، وأن تُرفع من جهة إلى جهة أعلى منها لأخذ القرار المناسب بشأنها، ولكن من الضروري تسهيل آلية الأمر على الراغبين، بهدف استقطاب العناصر التي يجدها التنظيم ملائمة، وفقا للمعايير التي يضعها لنفسه.

ثمة طريق آخر للاستقطاب، يتمثل في عرض الأمر على من يتوسم فيه التنظيم خيرا، بل إن من موجبات تفعيل الإنتاجية أن يقوم التنظيم بفرز شخص مدرب أو أكثر لهذه المهمة، على أن يكون استقطاب الأشخاص النوعيين في صدارة الاهتمام، لأنه من الأجدى دعوة هؤلاء -ما دامت المعايير التنظيمية تنطبق عليهم- من انتظار طلب الانتساب من جهتهم، وهو أمر يفترض تشكيل جهاز لذلك، يقوم بزيارة الشخص المرغوب ضمه إلى التنظيم ويعرض عليه الأمر وآلياته، وقد يستغرق الأمر أكثر من زيارة لتوضيح مبادئ وأركان الدعوة، وإزالة أية التباسات أو تساؤلات، وقد تُختم العملية بنجاح يتمثل بالانضمام إلى التنظيم، وقد يتحقق أقل من ذلك، فيصبح هذا الشخص قريبا من الحركة ولو لم ينتسب إليها، وقد لا يتحقق لا هذا ولا ذاك، فيبقى الأجر على المحاولة.

إن النجاح في استقطاب عناصر نوعية، أو على الأقل اكتساب صداقتهم، والتفاهم معهم على خطوات تخدم التنظيم، يحقق مصلحة أكيدة وكبيرة تصب في تفعيل العمل الحركي وتخدم كافة أعماله بقوة، ومن شأن ذلك تسهيل العمل العام، كما من شأنه تفعيل الدعوة في قطاعات وصروح تدر عناصر ممتازة على التنظيم، على سبيل المثال لا الحصر: استقطاب المشايخ وما يعنيه ذلك من تسهيل استقطاب تلامذتهم ورواد مساجدهم وتمكين العمل فيها -استقطاب رؤساء الأندية الثقافية والرياضية ورؤساء الجمعيات، ومدراء المدارس والمعاهد والجامعات ووسائل الإعلام، وما يعكسه ذلك من تمكين للعمل الدعوي في هذه الأماكن والقطاعات، استقطاب الشخصيات والعناصر المؤثرة أو التي تمارس أدوارا حساسة في أعمالها، استقطاب كبار التجار والصناعيين وأصحاب الأموال، وما يعنيه ذلك من تمكين للحركة ومدها بأسباب القوة المادية والمعنوية والبشرية.

إن هذا الأمر يتطلب جهدا استثنائيا نظرا لأهميته، وهو يحتاج إلى عناصر مدربة على وسائل ومهارات الإقناع والحوار والتفاوض، وتمتلك كاريزما مناسبة، وعلما مقبولا، وعلاقات كبيرة مع الناس، وسوف تزداد تجربتها في هذا المجال مع الوقت لا سيما إذا كانت حواجز الخوف والحياء والسلبية غير موجودة لديها، لكن عمل هذا الجهاز ينبغي أن يكون محاطا بعناية خاصة وتسهيلات مناسبة، إذ أن هذا العمل يحتاج إلى أناة وحكمة.

ثمة آلية ثالثة للاستقطاب هي خليط بين ما سبق، تتمثل بضم العناصر المناسبة العاملة أو المستفيدة من عمل ومؤسسات التنظيم، لكن ذلك لا ينبغي أن يكون إلا عن رضا لا إحراج أو إكراه فيه، كما لا ينبغي ربط أعمال أو مساعدات بانتماء معين، لأن التنظيم الذي يحمل مشروعا ودعوة شاملة، لا يصح أبدا أن يسعى لتنسيب الناس إليه كيفما اتفق، فهو أسمى من أن ينحدر إلى هذا المستوى، وخدماته الاجتماعية أو الخيرية أو الإغائية لا ينبغي أن تحمل أي شرط، سواء كان فكريا أو سياسيا، أو حتى دينيا، لكن ذلك لا يمنع من السعي لاستقطاب العناصر القريبة والعاملة والمستفيدة من التنظيم ومؤسساته إليه، من خلال تخيير هؤلاء العاملين أو المستفيدين بين أن يكون عملهم أو استفادتهم مترافقة مع انتساب للتنظيم أو غير مترافقة، ويراعى في ذلك أن هذا الخيار لا يتاح إلا لمن تنطبق عليه المعايير التنظيمية، وأن يكون الأسلوب مناسبا، ولو اختلف بين منطقة وأخرى أو قطاع وآخر.

المبحث الثاني: تفعيل التنمية الحركية - المطلب الثاني: تنمية قدرات المنتسبين وصناعة الرموز

قوة ومكانة العناصر المنتسبة للتنظيم من قوة ومكانة التنظيم نفسه، لذا فإن السعي لاكتشاف وتوجيه وتطوير القدرات يصبح أمرا ضروريا من أجل هذه العناصر ومن أجل التنظيم نفسه، لأن هذه القدرات، يُفترض أنها سوف تخدم التنظيم الذي عمل على اكتشافها وتنميتها، الأمر الذي يعني أن جهازا مولجا باكتشاف وتوجيه وتنمية القدرات ينبغي أن يأخذ طريقه في جسم المنتسبين ليكّون ملفا لكل عنصر منتسب يسهّل التعامل مع قدراته والاستفادة منها في خدمة أعمال ومطالب الحركة ومؤسساتها، إضافة إلى باقي مؤسسات وقطاعات المجتمع الأخرى، بما يزيد من تمكين الحركة الإسلامية في المجتمع ومؤسساته.

قدرات مهارات وكفاءات عدد كبير من منتسبي الحركة سوف تبرز، والحال هذه، ليس فقط داخل الأطر التنظيمية، وإنما أيضا في المجتمعات المحلية أو الوطنية، وسيكون ذلك مدخلا لصناعة رموز، تحتاج إليها الحركة الإسلامية بشدة، لا سيما في بلداننا العربية، إذ أنه بالقدر الذي ينتج فيه التنظيم رموزا يعرفها الناس ويتفاعلون معها، وتاليا يحبونها ويدينون لها بالولاء، بالقدر الذي يكبر فيه تأثيره ورصيده. غير أن عملية صناعة الرموز ليست مجرد علوم ومهارات، بل شخصيات ووجوه، ملكات وفرص، وقد تتعلق الجماهير بشخصية يوجد من هو أكفأ وأعلم وأفضل منها، والأمثلة على ذلك من الحاضر والماضي أكثر من أن تحصى، لذلك فإن صناعة الرموز من خلال التنظيم تستوجب خدمة هذا الهدف، من خلال دعم الشخص المعني والترويج لاسمه ومناقبه، وإظهاره في المناسبات حاضرا ومتكلما ومكرما .. وهي عملية يقع جزء كبير منها على عاتق الشخص نفسه، كما يقع جزء منها على عاتق التنظيم.

وإذا كانت صناعة الرموز عملية منتجة، إلا أنها محفوفة بالمخاطر، لأن الرمز قد يصبح مع الزمن حجر عثرة أمام العمل التنظيمي، ومداخل الشيطان إلى نفسه كثيرة، لا سيما إذا شعر أنه بات أكبر من التنظيم الذي أطلقه، عندها سيحكّم رأيه طالبا من التنظيم أن يسير وراءه، وقد تسيطر عليه الشخصانية والفردية، ويتمكن منه العجب بالنفس وتوهم الحكمة والعلم، لذلك فإن آليات المتابعة واستنبات الطاقات ينبغي أن تصاحب بروزه كرمز، ويبقى أن التربية الروحية وخفض الجناح هي العامل المانع من ظهور ما يعرف في عالم الأحزاب بـ"مشكلة الرموز"، إذ يفترض أنها مشكلة غير موجودة في صفوف الحركة الإسلامية، أقله في الشكل المادي الذي تأخذه في باقي التنظيمات التي لا تقوم على روح ومبادئ الإسلام العظيم.

المبحث الثاني: تفعيل التنمية الحركية - المطلب الثالث: تطوير الارتباط التنظيمي

إن الارتباط والتواصل مع العناصر في التنظيم لا ينبغي أن تبقى حبيسة أطر وضعت منذ ما قبل منتصف القرن الماضي، كما لا يجوز أن تحافظ على ذلك الشكل التقليدي المتمثل بالدرس (حلقة أو أسرة) والمحاضرة والاجتماع الدوري أو غير الدوري..، لأن الثورة التي حدثت في وسائل الاتصال والتواصل يجب أن تطال بشظاياها الحركة الإسلامية أيضا، ويجب الاستفادة منها في العمل التنظيمي كذلك، ولربّ منتسب إلى التنظيم، غير مواظب على حضور اجتماعاته التنظيمية، أنفع لدعوته من عشرات من أولئك المنتسبين المواظبين على حضور الاجتماعات التنظيمية ولقاءات الأسر، دون أن يضيفوا شيئا إلى حركتهم، بل قد يسيئون إليها أحيانا.

إن ذلك لا يعني الدعوة إلى التفلت من الالتزامات التنظيمية الحضورية، ولا يعني تجاوز نظام الأسر بالضرورة، ولكنه دعوة إلى إعادة النظر في مضمون وأطر وأوقات انعقاد هذه الأسر، فقد يكون من المناسب انعقادها أسبوعيا للبعض، أو شهريا للبعض الآخر، أو حتى سنويا بالنسبة لمجموعات أخرى كثيرة المشاغل والأسفار، وتتحول الأسرة في هذه الحال إلى رباط حكمي فعال، من خلال وسائل الاتصال المختلفة، على أن تبقى روحيتها موجودة، ولو جرى تعديل في وظائفها. إن القسم الداخلي في التنظيم وبالتفاهم مع منتسبيه هو الذي يصنف مجموعات المنتمين إليه، وبهذا التصنيف يقضي على مشكلة المنتسبين ممن لا أسرة تضمهم، ويمكنه إذاك أن يتعامل مع جميع المنتسبين على أنهم خاضعون لنفس النظام، وبناء عليه يحمّلهم ما يراه من تكاليف تنظيمية.

عموما، وبحكم الواقع، فإنه قد تغيرت وظيفة الدرس الأسري التقليدي، وإذا لم ُتدرك هذه الحقيقة فنكون أمام حالة من الجمود التنظيمي خطيرة، ذلك أن وسائل الاتصال الحديثة تتيح الترابط اليومي بين تلك المجموعة المتآخية في الله، وخلا الأمور التنظيمية بالغة السرية، فإنه يمكن اعتماد وسائل عديدة في التواصل ونقل الأخبار والتبليغات والمعلومات، والتربية الروحية باتت وسائلها موجودة بالقدر نفسه الذي زادت فيه وسائل الفساد، وكذلك هي الحال بالنسبة إلى وسائل تنمية الثقافة الشرعية والسياسية والعلمية عموما، والاشتراك المالي يمكن تحويله إلى مالية التنظيم من خلال مندوب أو تحويل دوري أو اقتطاع شهري أو أية وسيلة أخرى، وما دام الترابط الداخلي مؤمنا، والالتزام الشرعي والتنظيمي موجودين، فقد تحققت الغاية، بغض النظر عن الاجتماع الحضوري الذي لا ينبغي أن يغيب بالكلية أيضا، ومراقبة كل ذلك تبقى على عاتق قسم الداخلية في التنظيم، وهو بحاجة إلى تأهيل نقباء وأمناء سر، بحيث تصبح مهمة أمانة السر في المجموعات التي تنعقد في فترات متباعدة أهم من مهمة رئاسة المجموعة، لأنه سيقع على عاتقها التواصل والترابط المستمرين، فضلا عن متابعة أخبار المنتسبين ضمن هذه المجموعة، وما يحتم من موجبات بين الإخوة من تزاور وتهادٍ وعيادة وتعزية ومباركة.

إن هذا التعديل في نظام الأسر سوف يمكننا أيضا من التعامل مع المنتسبين من ذوي الأوضاع الخاصة، أولئك الذين تضطرهم ظروفهم المهنية أو الاجتماعية أو السياسية إلى إخفاء انتمائهم، أو الذين تطلب منهم الحركة الإسلامية عدم كشف انتمائهم، لتحقيق مصالح معينة.

المبحث الثاني: تفعيل التنمية الحركية - المطلب الرابع: التخطيط والمأسسة الحركية

نتيجة للتسليم بضرورة التخطيط واستمراريته وتخصصه، فإن الحركة الإسلامية لا بد لها من إنشاء وإدارة قسم خاص يعنى بهذه الغاية، تشارك فيه كل الأقسام لصياغة خطة عامة وشاملة تنبثق عنها خطط تفصيلية لكل قسم على حدة حتى يتكامل الجهد ولا يتضارب، وسوف يقوم هذا القسم بتزويد الأقسام الأخرى بالملاحظات والخطط الجزئية عفوا أو بناء على طلب، وتدريب الطبقات الأولى من المنتمين للحركة الإسلامية على مفاهيم وآليات العمل الإداري والجماعي وتنمية مهاراتهم الفردية .إن هذا التخطيط لن ينجح إذا لم تكن الأقسام والأجهزة التنظيمية القائمة قادرة على تنفيذ هذه الخطط، وهو أمر لا يتيسر إلا بوجود مأسسة لهذه الأقسام والأجهزة.

إن هذه المأسسة تعني تحوّل كافة أقسام وأجهزة ومراكز التنظيم إلى مؤسسات، بحيث تقوم على موظفين متفرغين لا متطوعين، وإن كان يمكن الاستعانة بالمتطوعين، كما يقوم على كل رأس كل مؤسسة مدير يقوم بما هو موكل إليه من مهام، وهكذا تصبح لدينا مؤسسة دعوية أو أكثر، وفي أكبرها يقع قسم العمل الدعوي الذي يدير المؤسسات الدعوية، ويفرض عبأه المالي عليها، وسيكون لدينا أيضا مؤسسة اجتماعية أو أكثر، وفي أكبرها يقع قسم العمل الاجتماعي ويستفيد من موارد مؤسساته، وكذلك هي الحال بالنسبة إلى العمل الرياضي والإعلامي والسياسي وغيره من أقسام التنظيم، لتبقى الأمانة العامة والأقسام التابعة لها مركزيا أو مناطقيا هي الجهاز الوحيد الذي يشرف على تسيير أعمال التنظيم، وهي مظهر الاستمرار والوحدة، أما باقي الأنشطة فإنها تكون مناطة بالمؤسسات المتخصصة التي يشكل مجموعها الحركة الإسلامية.

ولا يعني ذلك بحال من الأحوال تجزئة الحركة الإسلامية أو إضعافها، بل على العكس من ذلك، شرط اتخاذ الإجراءات التي تضمن خضوع جميع الأجهزة والمؤسسات للتنظيم، وهو ما سيكون أكثر سهولة مع انتقال أقسام التنظيم بتجهيزاته ومسؤوليه إلى هذه المؤسسات.