المقاومة في لبنان.. حتى تتحوّل إلى عامل توحّد وتفاهم
بقلم: الأستاذ إبراهيم المصري
الأمين العام للجماعة الإسلامية في لبنان
اعتاد اللبنانيون تصنيف الأعياد والمناسبات الدينية والوطنية وتوزيعها بين الأحزاب والطوائف، حتى بات البلد يفتقد أي عنوان جامع أو مناسبة يلتقي فيها جميع اللبنانيين.. حتى عيد الاستقلال، الذي كان يحتفل به الجميع ويقام له عرض عسكري، بدأ يضمر ويذوي ليحل محله «الاستقلال الثاني» الذي يحتفل به تيار 14 آذار، ويعتبره مناسبة حققت (السيادة والاستقلال والحرية)، وبات الذين يشاركون في تجمعات 14 آذار أكثر بكثير من الذين يحتفلون بعيد الاستقلال الأول، 22 تشرين الثاني.
ومنذ أيام مرت على لبنان مناسبة الذكرى العاشرة لتحرير معظم أراضي الجنوب من الاحتلال الاسرائيلي، وقبل ذلك كانت صيدا تحتفل بذكرى تحريرها يوم 16 شباط (1985)، وقبل ذلك الجلاء عن بيروت في أيلول 1982 بعد مجازر صبرا وشاتيلا، وكل من هذه المناسبات لم تتحول مناسبة وطنية جامعة، باعتبار أن مدينة أو حزباً كان هو المعنيّ أكثر بالتحرير.
وهذه اشكالية لبنانية يحاول الجميع الخروج منها، لكنهم عبثاً يحاولون.
وهنا يعنينا عنوان المقاومة، لأنه لولا المقاومة لما انسحبت قوات الاحتلال من بيروت أوصيدا أو ما كان يسمى «الشريط الحدودي»، وهي الجديرة بالبحث فيها وتأكيد دورها.
الحركة الإسلامية منذ نشأتها واجهت القضية الفلسطينية، قبل قيام الكيان الصهيونية|الصهيوني]] وبعده، بالموقف السياسي والمظاهرة حيناً، ثم بالمقاومة والمواجهة المسلحة عندما استدعى الأمر ذلك.
وقد خاطب الإمام الشهيد حسن البنا عام 1947 مجلس جامعة الدول العربية قائلاً: إنه على استعداد لأن يبعث كدفعة أولى عشرة آلاف مجاهد من الاخوان الى فلسطين، وتقدم الى حكومة محمود فهمي النقراشي طالباً السماح لأول فوج من هؤلاء بالعبور الى غزة، ولكن طلبه رفض.
وكان يحمل قناعة كبيرة بدور المقاومة، وأن الجيوش العربية لن تستطيع شيئاً. ثم أرسل مجموعات عبر الحدود المصرية والسورية والأردنية شاركت في مواجهة العدوان، فكان جزاؤه الاغتيال في شباط 1949، واتهام اخوانه المجاهدين بممارسة العنف والإرهاب، كما يوجه هذا الاتهام الى المقاومة هذه الأيام، فأودعوا السجون سنوات.
وفي هذه الأيام، لعل حظ المقاومة (الإسلامية) في لبنان أنها ولدت في ظروف ملائمة تختلف عن تلك التي أحاطت بالحركة الإسلامية في بقية الأقطار العربية.
ففي غياب الدولة بعد الاحتلال الاسرائيلي للجنوب اللبناني، استطاعت المقاومة أن تعمق جذورها وأن تقيم مواقعها وأن تتابع أداءها الجهادي ضد قوات الاحتلال دون أن تصطدم بالسلطة أو بقوات النظام، كما وقع في الأردن مثلاً عام 1969 عندما برزت تناقضات السلطة بالثورة، فكانت أحداث أيلول الأسود، ورحيل المقاومة الفلسطينية عن الساحة الأردنية، التي كانت تعتبر الحاضن الأكبر والأقرب للمقاومة وفصائلها الفلسطينية.
يضاف الى ذلك أن المقاومة الإسلامية في لبنان استفادت من مجموعة من العوامل المساعدة التي جعلت منها رقماً يصعب (أو يستحيل) تجاوزه.
فالمقاومة الإسلامية عملت ابتداءً في الجنوب، أي في ساحتها الطائفية الطبيعية، ومع هذا فقد عانت صدامات داخلية عنيفة عام 1988 بين حزب الله وحركة أمل، ثم تجاوزت الأزمة متمتعة بدعم ايراني كبير، وغطاء سوري ضمن لها تنسيقاً كاملاً مع الجيش اللبناني لا يزال ساري المفعول حتى أيامنا هذه.. وهذا ما لم يتوافر لأيّ من فصائل المقاومة الأخرى، وطنية أو اسلامية.
لكن ماذا عن المقاومة اليوم؟! كان من حقها أن تحتفل - هي وجمهورها - بالذكرى السنوية العاشرة للانسحاب الاسرائيلي من معظم الأراضي اللبنانية المحتلة، وما تتمناه كل القوى الحيّة في هذا البلد ان يكون الاحتفال من كل اللبنانيين وفي كل المناطق اللبنانية، لأن أداء المقاومة شكّل اضافة هامة لعوامل الصراع مع العدوّ الاسرائيلي.
فالنظام العربي كله بات على قناعة تامة بمقولة توحي بأن هناك خللاً استراتيجياً لا يمكن تجاوزه مع الكيان الصهيوني، وبالتالي فقد باتت المفاوضات وصولاً الى «التسوية» هي القناعة السائدة في الساحة العربية.
واذا كان نموذج المقاومة محاصراً - عربياً واسرائيلياً - في غزة، فإن المقاومة الإسلامية في لبنان حرة طليقة اليد في الفعل الجهادي، ومقاومة المشروع الصهيوني، ولو على مستوى الرقعة اللبنانية الضيقة.
والانجاز الكبير الذي تحقق في هذه الساحة ليس مجرد الانسحاب دون اعتراف ولا مفاوضات، ولا كسر حاجز الخوف أمام التفوق العسكري الاسرائيلي، بل بالوصول الى ما يشبه التفاهم الوطني حول المقاومة ومشروعها الجهادي.
فرئيس الجمهورية الذي يمثل شريحة طائفية واسعة من الساحة اللبنانية يؤكد على دور المقاومة التزاماً بما ورد في البيان الوزاري حول تكامل (الجيش والشعب والمقاومة).
ورئيس الوزراء سعد الحريري الذي قام بزيارة الى الولايات المتحدة الأميركية التقى خلالها الرئيس الأميركي والأمين العام للأمم المتحدة وألقى خطاباً في مجلس الأمن الدولي، باعتبار لبنان رئيس المجلس لهذا الشهر، حرص على أن يؤكد هذا المعنى خلال كل لقاءاته الرسمية والإعلامية.
حتى الفريق الذي ما زال يرفع لواء المعارضة، انما يفعل ذلك في مواجهة (سلاح) حزب الله وليس دور المقاومة في الدفاع عن لبنان، وهو يسلم بضرورة توظيف هذه العوامل الثلاثة دون أن ينعكس أثرها على المعادلة الداخلية، لا سيما في مداها الطائفي.
ولو قدّر لطاولة الحوار الوطني أن تنعقد الاسبوع القادم وتناقش «الاستراتيجية الدفاعية»، ودور كل من الجيش والمقاومة والشعب، فإن الوصول الى صيغة موحدة جامعة بات أمراً ليس مستحيل المنال.
لكن المشكلة أن كلا الفريقين يسعى لتوظيف المقاومة في مشروعه السياسي، سواء في ذلك البطريركية المارونية وحزبا الكتائب والقوات اللبنانية، أو فريق 8 آذار ومعه التيار الوطني الحر.
سيقول متطرفون في كلا الفريقين إن الفريق الآخر يحمل مشروعاً طائفياً وإنه جزء من معادلة اقليمية أو دولية.
ونتمنى هنا أن يتقدم الذين يعتبرون أن مواجهة الخطر الصهيوني تشكل أولوية تتجاوز أية اعتبارات أخرى، سياسية أو طائفية، اقليمية أو دولية، وانها تستحق التمسك بتكامل العناصر الثلاثة المؤسِّسة للتلاحم الوطني والقومي والإسلامي في مواجهة المشروع الصهيوني، ومن ورائه قوى الشر على مستوى عالمي.
عندئذ سوف يتحقق الحلم اللبناني بأن تحتفل كل الشرائح والطوائف في هذا البلد بأعياد المقاومة والتحرير والاستقلال.
قد يكون هذا صعب المنال في لبنان، لكنه يستحق السعي اليه والعمل على تحقيقه، وهذا ما يمنح لبنان واللبنانيين ميزة يفتقدها سواهم من العرب، أنهم لا ينقسمون في مواجهة الخطر المشترك، وانما يتوحدون ويتكاملون، يتعاونون ويتقاسمون رغيف الخبز ومخزن السلاح، وكل ما يعين على تطوير المواجهة.
المصدر
- مقال:المقاومة في لبنان.. حتى تتحوّل إلى عامل توحّد وتفاهمموقع: الجماعة الإسلامية فى لبنان