الفكاهة الدعوية.. خير الأمور الوسط

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
اذهب إلى: تصفح، ابحث
الفكاهة الدعوية.. خير الأمور الوسط
16-08-2005

حوار مع الداعية الإسلامي الشيخ أحمد عبد المنعم

مقدمة

خطبة جمعة

- لا بد للداعية أن يدرِس البيئة المتواجِد فيها

- كل مجتمع له نظام وعادات يجب الرجوع إليها

- الخطاب الدعوي لا بد أن يتميز بنوع من المداعبة ليصل القلوب

- على الداعية إذا استخدم الترفيه ألا يهوِّل التوافه ويصغِّر العظائم

هناك عدد من الدعاة المعاصرين نجحوا وانتشروا ونفَذوا إلى القلوب عبر الأسلوب الفكاهي الساخر، والذي يرغب فيه الشباب بصورة كبيرة، ومن أمثال الدعاة الذين ذاع صيتهم في مجال الفكاهة الدعوية الشيخ عبد الحميد كشك (رحمه الله)، وأيضًا الشيخ وجدي غنيم، وكذلك آخرون.

وبصرف النظر عن نجاح هذا السلوب الفكاهي في الخطاب الدعوي فإن تساؤلاتنا تتركز حول ماهيَّة الخطاب الدعوي الناجح وشروطه ومواصفاته، وهل هناك ما يسمَّى بالترفيه الدعوي؟ أو الفكاهة الدعوية؟ وهل نحن في حاجة إلى تعلُّم أسس الترفيه ومحاذيره في خطابنا الدعوي؟!

كوكبة من التساؤلات التي تحتاج إلى إجابة نطرحها في الحوار التالي، الذي يدور حول مدى أهمية الترفيه والفكاهة في خطاب الداعية وحياته، والتي يجيبنا عليها الداعية الإسلامي الشيخ أحمد عبد المنعم (إمام وخطيب مسجد البديوي).

  • بدايةً.. نريد أن نتعرف على العوامل الأساسية للخطاب الدعوي الناجح.
يجب أن يراعي الخطابُ الدعوي الناجح الحالَ الذي يقال فيه، فلكل مقام مقال، فلا بد للداعية أن يدرِس البيئة المتواجِد فيها، من حيث الشرائح الاجتماعية، والأعمار السنية.. فما يصلح في بيئة قد لا يصلح مع الأخرى، كذلك فعلى الداعية أن يتدرَّج في إيصال المفاهيم إلى المدعوين، فلا يحرِّم التدخين في أول لقاءٍ له مع المدعو مثلاً، ويفضَّل أن يتدرَّج، ونأخذ هذا من تحريم القرآن المتدرِّج للخمر، وتوضِّح لنا السيدة عائشة- رضي الله عنها- أن الأمر بالصلاة والزكاة سبَق تحريم الخمر والزنا.
لذلك لا بد أن يكون الخطاب الدعوي واضحًا، يراعي البيئة وثقافة الناس، فعن سيدنا علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: "خاطبوا الناس بما يفهمونه.. أتريدون أن يكذَّب الله ورسوله"، كذلك على الداعية أن يحدد الهدف من الخطاب، والفكرة التي يدور حولها، والرسالة التي يرغب في توصيلها للجماهير، وأن يقوم بدراسة المعوقات التي قد تكون داخليةً متعلقةً بوجود خَلَل في قدرته الداعية الدعوية أو مخزونِه الثقافي أو خارجية متعلقة بطبيعة المدعوين، ولا بد أن يكون هناك إيمانٌ داخليٌّ لدى الداعية بالقضية التي يتحدث فيها، وأن يكون قدوةً للناس في حديثه وسلوكه.
  • هل الفكاهة في الخطاب الدعوي تتناسب مع كل المجتمعات؟
الدعوة عملٌ اجتماعيٌّ، يُشترط لنجاحها كل ما يشترط في نجاح أي عمل اجتماعي، وكل مجتمع له نظام وعادات لا بد من الرجوع إليها، فالأهداف القلبية والروحية والدعوية ترتبط بأهداف ثقافية وفكرية لدى المدعو، والنبي- صلى الله عليه وسلم- يضرب لنا المثل عندما قابل امرأةً تشتكي له من زوجها فأراد- صلى الله عليه وسلم- أن يُخرجَها من حالة الشكاية، فقال لها: "أزوجك الذي في عينيه بياض!!" (هو يريد أن يخرجها من حالة الغضب ويشغلها بعيدًا عن القضية الأساسية)، فقالت المرأة: زوجي ليس بعينيه بياض (وبياض العين في الجاهلية كان يوحي بالعمى) فقال لها النبي- صلى الله عليه وسلم-: "بل في عينيه بياض"، فذهبت لزوجها تحملق فيه، فقال لها زوجها ما بك؟! فقالت له رسول الله يقول إن في عينيك بياضًا، فقال لها زوجها: أوَما تعلمين أن بياض العين أكثر من سواده"..؟!
وفي الهجرة عند دخول الرسول- صلى الله عليه وسلم- المدينةَ وجد عُرسًا، فقال: "هلاَّ غنَّيتم؛ فإن الأنصار قومٌ يحبون اللهو"، وهنا راعى المكان وطبيعته، أما في موقف آخر فقد راعى- صلى الله عليه وسلم- الموقف نفسه وذلك عندما قامت جاريتان بالغناء في بيت النبي- صلى الله عليه وسلم- فقال لأبي بكر: "دعهما يا أبا بكر فإن اليوم يوم عيد".

نمط دعوي

  • هل إدخال الفكاهة والبساطة في الحديث تعتبر وسيلةً لرسالة دعوية ناجحة؟
الخطاب الدعوي لا بد أن يتميز بنوع من الرقة والمداعبة حتى يصل إلى قلوب الناس بسهولة ويُسر، وهناك مقولة لأحد العلماء يقول فيها: "أفضلُ كلامٍ أتوجه به للناس هو الكلام الرقيق، المستخرَج من بئر عميق، من لسان رجل رفيق"، والذي يساعد الداعية على ذلك أن يكون خطابه لينًا، وبه شيءٌ من الترويح.. لذلك فالترفيه يعتبر من ضمن السمات المميزة للخطاب الدعوي الناجح، خاصةً وأننا عندما نرغب في توجيه الخطاب إلى فئة معينة فعلينا أن ندرس طبيعة المدعو، فلو أنني أقوم بدعوة إنسان يمارس الكرة ويشاهد الأفلام فلن يكون أسلوبي معه في الحديث مطابقًا لحديثي مع شخص آخر ملتزم في المسجد بطبعه.
فالحديث الذي يحتوي على بعضٍ من المَرَح يجعل المتلقِّي لا يشعر بالترقب والقلق، وبالتالي يصبح الذهن جاهزًا لقبول ما يقوله الداعي.. لذلك لا بد أن يمس الخطاب عقل وعاطفة وفطرة وغريزة المدعو.

ضوابط

البساطة والدعابة مع المصلين
  • وما هي ضوابط الفكاهة والمرح في الإسلام؟
فلسفة الترويح في الخطاب الدعوي يجب أن تكون خاضعةً لفلسفة الاستخدام، وهي التي تسمح لي- كداعية- أن أستخدم الترفيه بالقدر الذي أحتاجه فقط، فلا يمكن أن تكون الحياة كلها ترويحًا أو كلها جديةً، ولا بد من مراعاة الاهتمام بالوقت وعدم إضاعته، فالله- عز وجل- يُقسم به في سورة العصر، وعنه- صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "اغتنم خمسًا قبل خمس..، وذكر منها "شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك"، وأيضًا يقول- صلى الله عليه وسلم-: "نعمتان مغبونٌ فيهما كثيرٌ من الناس: الصحة والفراغ".. المرح عبادة، ولا بد من استحضار النية حتى تصبح حياتُه كلها تعبدية.
وقد كان- صلى الله عليه وسلم- يمزح ولا يقول إلا صدقًا فيقول: "ويل للذي يحدِّث فيكذب ليُضحِك به القوم، ويلٌ له ويلٌ له"..!! أيضًا لا بد أن يتأكد الداعية من أن المشاركين في الحوار معه سيفهمونه إذا ما أراد أن يستخدم المرح في الخطاب حتى لا يعتقدوا أن هذا الداعية مهرِّجٌ ولا يقبلوا منه النصيحة.
كذلك يجب أن يراعي عدم الإفراط في ذلك، وأن لا يُلحق الأذى بمن في المكان وأهله، ويجب ألا يحمل الترويح سخريةً للآخرين أو لمزهم أو ترويع الآخرين؛ لأن الإسلام يدعو للأمن حتى في النظرة.. يقول- صلى الله عليه وسلم-: "من نظر إلى أخيه نظرةً أخافتْه أخافه الله يوم القيامة".. كذلك لا نريد أن يكون هناك ترويحٌ يؤدي إلى سخرية من الآخرين، ويقول- صلى الله عليه وسلم-: "المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده"..
ذلك على الداعية إذا ما استخدم الترفيه أن لا يهوِّل التوافه ويصغِّر العظائم، فقد كان- صلى الله عليه وسلم- يعامل كلاًّ بقدْرِه في حالات الغضب وفي غيرها من الحالات وفي حالات المرح.

الشباب والبسطاء

  • يقال إن الدعوة الفكاهية هي الأقرب إلى قلوب الشباب والبسطاء.. فما قول فضيلتكم؟
في مرحلة التوجه للشباب الخطاب الدعوي يحتاج إلى بعض الترفيه؛ لأنه ما زال مقبلاً على الحياة، وقد لا تكون أمامه ضوابط واضحة، والمشكلة تظهر عندما يلتقي هذا الأمر مع عدم معرفة الداعية بمعنى الترويح في الإسلام، ويحاول الداعية أن يجعل المدعو صورةً طبق الأصل منه، فإذا كان الداعية متشددًا لا يحب اللهو واللعب فهو يريد المدعو كذلك، وهنا ينهَى- صلى الله عليه وسلم- عن التشدد في العبادة، فينهى سيدَنا عبدَ الله بن عمر عن صوم النهار كله وقيام الليل كله، قائلاً له: "إن لجسدك عليك حقًّا".
  • البعض يرى أن الفكاهة يمكن أن تخلَّ بوقار الداعية وتقلل من مصداقيته؟
نحن لدينا نموذجٌ لا ينطق عن الهوى، فقد كان- صلى الله عليه وسلم- في مهنة أهله، حتى إذا حضرت الصلاة كأنه لا يعرفهم، والضحك والملاطفة في الحديث ليس بالحرام.. الترويح يحقق المصلحة العامة للفرد والمجتمع، أي لا بد أن يكون له هدف، فمثلاً لو أن هناك فردًا مكتئبًا وأردت أن أُخرجه من حالته فلا بد أن أمازحه، وهناك بعض الشباب يعتقد أن الالتزام عبوسٌ وجمودٌ، فما أن يلتزم إلا ويترك الابتسامة والمرح والانطلاق، ويظن أنه بذلك يطلِّق الحياة الدنيا، وهذا بالطبع يعتبر فهمًا خاطئًا للتدين.

سعادة الأسرة

  • وما هو أثر المرح في حياة الداعية؟
لو ابتعد الداعية عن مجال الترفيه فسيكون صعب المراس ومنغلقًا على ذاته، ولا يفهم الحياة فهمًا صحيحًا؛ مما سيؤثر على فهمه للأمور.. أيضًا سيصيب بيته وأسرته بحالة من الغضب وعدم الرضا النفسي؛ لافتقادهم روح الملاطفة والمرح في الوقت الذي يرغبون فيه في ذلك، وهو الأمر الذي قد لا يتقنه أو يجيده بعض الدعاة، في حين أنه- صلى الله عليه وسلم- كان يسابق السيدة عائشة- رضي الله عنها- وكان يصنع من نفسه حصانًا ويضع الحسن والحسين على ظهره ويمشي بهما في أرجاء المنزل، وربما لا يفعل أي من الدعاة هذا الأمر، لكنَّ الرسول- صلى الله عليه وسلم- يعلمنا كيف يكون الداعية مَرِحًا في بيته.
وقد تحتاج الأسرة للترفيه حتى تخرج من حياة الجمود، ويساعد هذا على توفير حالة من الأمن والاستقرار والهدوء، ويجعل الأسرة تتقبل كثرة الضيوف الذين يزورون الداعية ليسألوه في أمور دينهم، دون أن تشتكي الزوجة، وسيحدث نوعٌ من الرضا النفسي لديها، ولو خَصَّص الداعية وقتًا لأهل بيته فسينعكس ذلك على أهل البيت بصورة أو بأخرى.
أما على مستوى المجتمع فسيرى المجتمع صورة هذا الدين على أنه يزرع في النفوس حب الناس ويدفع أبناء المجتمع الواحد للالتفاف حوله واستشارته في مشكلاتهم الخاصة، ويمكن أن يستحوذ الداعية بهذا الأسلوب على ثقتهم؛ لأن الداعية غير المتبسط يخاف منه الناس ويصدون عن الحديث معه.

المصدر