إنها الرئيس الثامن
2008-09-25
بقلم : معتصم حمادة
رغم تعدد الانتماءات الحزبية لرؤساء حكومات إسرائيل، والفوارق الملحوظة في طبائعهم الشخصية، إلا أنهم يلتقون عند «ثوابت» إسرائيلية، لم يتزحزحوا عنها، رغم مرور الوقت وولادة أحزاب واختفاء أخرى
رئيس وزراء آخر في إسرائيل يقدم استقالته، ويتوارى عن مسرح السياسة تاركا المكان لمن سيخلفه. أولمرت يستقيل، وتحل محله في زعامة كاديما، وعلى رأس الحكومة القادمة وزيرة خارجيته تسيبي ليفني. إنها رئيس الوزراء الثامن في إسرائيل منذ انطلاقة العملية التفاوضية ـ المسماة عملية سلمية (!) ـ في مدريد. قبلها كان إسحق شامير، بعده جاء إسحق رابين، ثم شمعون بيريس، وبنيامين نتنياهو، ثم إيهود باراك، فأرييل شارون، ثم إيهود أولمرت، وأخيرا، وليس آخرا، تسيبي ليفني، دون أن يعني أنها رئيس الوزراء الذي على يديه سيولد «اتفاق السلام» مع الفلسطينيين، ودون أن يعني ذلك أيضا أنها لن تورث ملف المفاوضات لرئيس وزراء قادم إلينا بعد مدة.
ثمانية رؤساء وزراء تعاقبوا على الحكم في إسرائيل، ومازال المراقبون محكومين بالتشاؤم من إمكانية الوصول إلى تسوية دائمة، ومازالت إسرائيل تماطل وتعاند، وتتهرب من استحقاقات العملية التفاوضية.
ورغم تعدد الانتماءات الحزبية لهؤلاء المسؤولين، والفوارق الملحوظة بوضوح في طبائعهم الشخصية، إلا أن الملاحظ أنهم جميعهم التقوا عند «ثوابت» إسرائيلية لم يتزحزحوا عنها رغم مرور الوقت، ووقوع تطورات عدة، بما في ذلك ولادة أحزاب جديدة وموت أحزاب قديمة وولادة برامج وموت أخرى. وإذا ما حاولنا أن نستذكر بعض تلك الثوابت فإن بإمكاننا أن نلاحظ التالي:
- اتفقت الحكومات الإسرائيلية كلها، منذ مدريد، وحتى الآن، على رفض الاعتراف بحق اللاجئين الفلسطينيين في العودة إلى ديارهم وممتلكاتهم في مناطق 48 (أي داخل إسرائيل). ورغم أنه ظهرت تباينات في كيفية تعبير كل من هذه الحكومات عن موقفها هذا، إلا أن الجوهر بقي هو نفسه. لا عودة للاجئين. وحتى عندما وافق باراك على السماح بـ «عودة» بضعة آلاف من كبار السن، ومن دون ذريتهم، ووفقا لشروط وآليات شديدة التعقيد، وتحت عنوان «لم الشمل» فإن هذه الخطوة لم تكن مجانية بل كانت مقابل أن يتنازل المفاوض الفلسطيني، رسميا وعلنا عن حق اللاجئين في العودة، وبذلك يكون باراك قد دفع ثمنا زهيدا، وزهيدا جدا، مقابل قضية كبرى من قضايا الفلسطينيين، على مصيرها يتوقف مصير العديد من القضايا على المستوى الفلسطيني والمستوى الإقليمي.
- اتفقت الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة على التمسك بالقدس الشرقية المحتلة باعتبارها جزءا لا يتجزأ من إسرائيل، ومن عاصمتها الموحدة والأبدية ـ حسب التعبير الإسرائيلي ـ ولقد نجحت هذه الحكومات نتيجة لتصلب مواقفها ـ وصلابتها ـ في فرض جزء من مفهومها لقضية القدس على المفاوض الفلسطيني. فقد جرى التمييز بين القدس كمدينة فلسطينية، وبين ما تسميه إسرائيل «الحوض المقدس» في المدينة. بل صار البعض يختصر القدس كلها، بأهلها وناسها، وأرضها وسمائها، وتاريخها، ومركزية موقعها في الجغرافية السياسية والطبيعية الفلسطينية بالأماكن المقدسة، متجاهلا أن هذه الأماكن هي جزء لا يتجزأ من المدينة، وأن من أخطر الأمور هو الانجرار مع سياسة الفصل بين القدس وبين مقدساتها. كما نجحت حكومات إسرائيل المتعاقبة في جر المفاوض الفلسطيني إلى حصر مفاوضاته في مصير الأماكن المقدسة، واعتبارها هي جوهر الأمور، متلطيا وراء الموقفين العربي والإسلامي، وكأن لسان حاله يقول لولا الضغط العربي والإسلامي لدخلت معكم في صفقة بشأن القدس.
- كذلك اتفقت حكومات إسرائيل المتعاقبة على تأكيد «الحق الإسرائيلي» في الاستيطان في القدس والضفة الفلسطينية. وهذا التأكيد لم يقف عند حدوده اللفظية، بل يعبر عن نفسه بمخططات ومشاريع يجري تنفيذها وكأن الإسرائيليين في سباق مع الزمن. لا يقيمون اعتبارا لمفاوضات ولردود فعل فلسطينية أو عربية أو دولية. يجازفون بكل شيء ولا يتراجعون عن «حقهم» ـ كما يقولون ـ في الاستيطان. ثم يطورون موقفهم في تشييد جدار للفصل بين الفلسطيني وأرضه، ولضم هذه الأرض لإسرائيل. جدار الفصل، ابتدع فكرته وخطط لها حزب العمل برئاسة إسحق رابين، ونفذ الخطط ليكود شارون ثم استكمل كاديما شارون وأولمرت (وغدا ليفني) عمليات التشييد هذه باعتبارها خطة إسرائيلية يعمل على الالتزام بها كل من يصل إلى الحكومة. ويدخل جدار الفصل عاملا رئيسيا ـ كما بات معروفا ـ في تقرير نتائج مفاوضات الحل الدائم ـ حين يحل موعدها المؤجل على الدوام.
- كذلك اتفقت حكومات إسرائيل المتعاقبة على ما يسمى بالمصالح الأمنية العليا لإسرائيل في أية تسوية تتم مع الفلسطينيين. وهي مصالح ترسم علاماتها وحدودها هيئة أركان جيش العدو، وتكون الحكومات ملزمة بها، وكلما أوغلنا في البحث والتدقيق نلاحظ أن هذه الحكومات تنطلق، في رسم مستقبل الحل مع الفلسطينيين من الاشتراطات الأمنية الإسرائيلية. ولقد كان في هذا السياق، إسحق رابين واضحا حين شرع في تنفيذ اتفاق أوسلو، الذي وقع عليه بمشاركة الرئيس الراحل عرفات في واشنطن. صحيح أن الاتفاق نص على التزامات. لكن لا نصوص مقدسة في عرف رابين. وصحيح أن الاتفاق نص على أجندة لتطبيق الالتزامات. ولكن لا مواعيد مقدسة في عرف رابين. المقدس هو أمن إسرائيل شاء من شاء وأبى من أبى. ومازال الأمر ساريا حتى اللحظة، بما في ذلك المفاوضات التي أدارها أحمد قريع بالتعاون مع تسيبي ليفني.
- ولا يقتصر الأمن في المفهوم الإسرائيلي على جانبه العسكري البحت، بل يعتبر الأمن المائي جزءا لا يتجزأ من المصالح العليا لإسرائيل. لذلك، ومنذ اللحظة الأولى لاحتلال الضفة الفلسطينية عام 1967، تزامنت إجراءات الأمن في شقها العسكري مع إجراءات الأمن في شقها المائي، بمنع الفلسطينيين من حفر الآبار، ومصادرة الأحواض المائية، وتشييد المستوطنات فوقها، بما يمكن إسرائيل من مصادرة مياه الضفة لحساب المستوطنين ولحساب «الدولة» نفسها. والحكايات حول تمتع المستوطنين بالمياه الفلسطينية وحرمان الفلسطينيين من حقهم في مياه أرضهم ووطنهم كثيرة ومعروفة للجميع. وليس سرا القول إن الإسرائيليين يقدمون عروضهم في المفاوضات على خلفية احتفاظهم بمعظم مياه الضفة، وباعتبارها حاجة حيوية لهم. وقد حاول بيريس في بعض اقتراحاته ذات الطابع «الإنساني» ـ كما يحاول أن يتظاهر بها متناسيا قانا ـ أن يروج لمفاهيم مقلوبة، تخدم مصالح إسرائيل، فيدعو إلى «إعادة» توزيع مياه المنطقة على سكانها، ليس من موقع «ملكيتهم الوطنية» لأرضهم ومائهم، بل من موقع «حاجة» كل فئة للماء، وقدرتها على استغلال المياه بطريقة أفضل وأكثر نجاعة، في إشارة إلى تخلف الري عند الفلسطينيين (بفعل الحصار الإسرائيلي) وتطوره عند الإسرائيليين (بفعل الدعمين الأوروبي والأميركي).
- وأخيراً، وليس آخرا، تبقى الحدود واحدة من القضايا التي التقت عندها حكومات إسرائيل المتعاقبة باعتبارها واحدا من «الثوابت الوطنية» الإسرائيلية، ولسنا في حاجة لعرض المشاريع الإسرائيلية الخاصة بما يسمى أمن حدودها، أو حديثها المطول عن «حقها في الحدود الآمنة». وهي عبارة مطاطة تتيح لها قصف أي عاصمة عربية، تحت ذريعة ضمان حقها في الحدود الأمنية. وفي هذا السياق، لا تتردد إسرائيل، ولا للحظة واحدة في تأكيد «حقها» ـ المزعوم ـ في الاحتفاظ بمواقعها في الغور، باعتبارها تشكل الحدود الأمامية لإسرائيل في الدفاع عن نفسها ضد الأخطار الواردة إليها عبر الحدود الشرقية وهو ما يلغي ـ بالضرورة ـ كل مفاهيم حق الدولة الفلسطينية في السيادة الكاملة على أراضيها.
إذن، نحن أمام إستراتيجية إسرائيلية واضحة المعالم، أرست أسسها المؤسسات السياسية والعسكرية والأمنية الإسرائيلية المعنية. وتلتزم بها حكومات إسرائيل المتعاقبة، أيا كان الحزب الذي يقود هذه الحكومة، وأيا كان الائتلاف الذي تتشكل منه، وأيا كان الشخص الذي يترأسها. وبالتالي يصبح من السذاجة بمكان المراهنة على رئيس حكومة دون آخر، وعلى حزب إسرائيلي دون آخر. فالتجربة علمتنا أن إسرائيل بأحزابها وقياداتها، تكثر من الحديث عن السلام، وتكثر من الممارسات والسلوكيات التي تقطع الطريق على السلام وتحوله إلى حلم مستحيل.
على الصعيد المقابل، نلاحظ أنه في ظل استقرار الإستراتيجية الإسرائيلية، تبدو الإستراتيجية الفلسطينية هي الغائب الأكبر. فالتباين واضح حتى في تعريف القضية الفلسطينية نفسها، وفي تعريف حقوق الشعب الفلسطيني، وفي تعريف العلاقة مع الجانب الإسرائيلي. ومن هذا التباين تتناسل سلسلة لا تنتهي من «الاستراتيجيات» قصيرة النفس وسريعة التقلب والانقلاب على الآخرين وعلى الذات.
- هل تقوم الإستراتيجية الفلسطينية على الحق الثابت في الاستقلال والحرية وقيام دولة مستقلة كاملة السيادة في حدود الرابع من حزيران وعاصمتها القدس الشرقية وحق اللاجئين في العودة إلى ديارهم وممتلكاتهم التي طردوا منها منذ العام 1948.
- أم أنها تقوم على إستراتيجية «دولتين لشعبين» بكل ما يعنيه هذا من تفريط بحق العودة وفتح الباب لتهجير الفلسطينيين في إسرائيل..
- أم أنها تقوم على إستراتيجية تقول إن فلسطين وقف إسلامي لا يحق لأحد أن يتفاوض عليها.. ثم تغيب لصالح إستراتيجية بديلة تدعو لهدنة طويلة الأمد بعد قيام دولة فلسطينية (مجهولة الحدود) مع «تأجيل القضايا الشائكة للأجيال القادمة لتبت بها»، ثم تغيب هذه أيضا لصالح إستراتيجية تقوم على هدنة طويلة تمهد لقيام دولة فلسطينية ثم تتحول «التهدئة مقابل التهدئة» هي نفسها إلى إستراتيجية، يستحق كل من يخرقها ولو بصاروخ محلي الصنع أن يتهم بأنه عميل لإسرائيل.
- وأحيانا يكون الكفاح المسلح هو الإستراتيجية.
- ثم تحل محله الانتفاضة لتصبح هي الإستراتيجية..
- ويرى آخرون أن السلام والمفاوضات هما الخيار الإستراتيجي. وتختلط الأمور وتضيع المعالم، وتتحول المفاوضات إلى عبثية لا معقولة لا وظيفة لها سوى منح الإسرائيليين الوقت الإضافي لتحقيق أهدافهم الأمنية وشق الطريق لصالح الأهداف الإستراتيجية.
وتبقى الأرجوحة الفلسطينية عرضة للريح تتلاعب بها. وعند كل تغيير وزاري، يقف المفاوض الفلسطيني ليصرح بشيء من السذاجة أنه على استعداد للتفاوض مع كل من يختاره الإسرائيليون رئيسا لحكومتهم، وكأني بالمفاوض الفلسطيني يمنح رئيس الوزراء الإسرائيلي الشرعية السياسية لوجوده من خلال القبول به شريكا في العملية التفاوضية، علما أن المفاوض الفلسطيني هو المصاب بالقلق الدائم خوفا من أن تدخل العملية التفاوضية في الثلاجة، فيفقد هذا المفاوض شرعيته السياسية التي يستمدها ـ كما يرى ـ من إشراكه في المفاوضات، واحتسابه جزءا من المعادلة الإقليمية. والتاريخ الفلسطيني القريب، والقريب جدا، خير شاهد على ذلك.