أربعة استحقاقات

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
اذهب إلى: تصفح، ابحث
أربعة استحقاقات

2008-09-06

بقلم : معتصم حمادة

على الفلسطينيين أن يختاروا أحد طريقين: أن يجدوا السبيل إلى التوافق بأنفسهم كأطراف بلغت الرشد السياسي وباتت تملك من الحكمة والمسؤولية ما يكفي، وإما أن يتوغلوا أكثر فأكثر في الخلافات بحيث لا يمكن الخروج منها إلا بتوافق عربي، فتتحول الحالة الفلسطينية عندئذ، إلى مجرد صدى، للحالتين العربية والإقليمية، وينتفي المشروع الوطني الفلسطيني.

تقبل الحالة الفلسطينية (كجزء من المنطقة، وفي إطار خصوصيتها السياسية) على سلسلة من الاستحقاقات المهمة التي لا يمكن النظر إليها على أنها مجرد محطات عادية، يتوقف فيها قطار السياسة ثم يستأنف مسيره وكأن شيئا لم يكن.

  • فهناك استحقاق رحيل إيهود أولمرت، وحلول بديل عنه في رئاسة كاديما، ورئاسة الحكومة الإسرائيلية.
  • وهناك استحقاق الانتخابات الأميركية وقد باتت محصورة الآن بين أوباما (الديمقراطي) وماكين (الجمهوري).
  • وهناك استحقاق الحوار الوطني الفلسطيني في القاهرة، الذي ابتدأ بلقاءات ثنائية، مصرية ـ فلسطينية.
  • وهناك (أخيرا وليس آخرا) استحقاق 9/1/2009، وما يدور حوله من خلاف حول انتهاء ولاية الرئيس الفلسطيني محمود عباس.

وخلف هذا كله يقف استحقاق المفاوضات الفلسطينية ـ الإسرائيلية، بتعقيداته المعروفة.

  • لقد بات مؤكدا أن إيهود أولمرت قد بدأ يحزم حقائبه ليغادر موقعه في رئاسة كاديما، ورئاسة الحكومة الإسرائيلية. كما بات مؤكدا أن التنافس يكاد ينحصر بين وزيرة خارجيته تسيبي ليفني، وبين وزير المواصلات الجنرال السابق شاؤول موفاز. ومن يتابع تحركات الطرفين يلاحظ أنهما يتنافسان في المزايدة بشأن المفاوضات مع الفلسطينيين. فهما متفقان على رفض الاعتراف بحق اللاجئين بالعودة، وعلى التمسك بالقدس المحتلة جزءا من إسرائيل، وعلى اقتطاع مساحات مهمة من الضفة الفلسطينية مما سيحول دون قيام دولة فلسطينية مستقلة وذات سيادة و«قابلة للحياة»، وعلى عدم التخلي عن الكميات الأسطورية، من المياه التي تسرقها إسرائيل من الآبار الجوفية للضفة، ومتفقان على سلسلة من الإجراءات المسماة أمنية التي تمنح إسرائيل «الحق» في مواصلة احتلال أجزاء من الضفة بذريعة حماية أمن «الدولة» (أي دولة إسرائيل وليس الدولة الفلسطينية) وعلى توسيع الاستيطان، ومواصلة الأعمال العدوانية، وبالتالي لا يمكن المراهنة على أن واحدا من الاثنين المذكورين سيكون أكثر ليونة، في مفاوضاته مع الفلسطينيين من الآخر، خاصة وأن الائتلاف الحكومي، مرشح لأن يبقى على ما هو عليه، الأمر الذي يعني أن «اشتراطات» الأحزاب المؤتلفة في الحكومة، والتي كانت «تقيد» الهامش التفاوضي لأولمرت، ستبقى على ما هي عليه. لذلك يمكن القول إن المتغير الإسرائيلي القادم، من شأنه أن يزيد العملية التفاوضية تعقيدا، وأن يرفع في وجه الفريق الفلسطيني (ربما) المزيد من الاشتراطات والمواقف المتصلبة، ما يعني أن على المفاوض الفلسطيني (ومن خلفه الحالة الفلسطينية كلها) أن يبحث لنفسه عن أوراق قوة جديدة يجابه بها التصلب الإسرائيلي القادم علينا.
  • .. وبعد أن عقد الديمقراطيون والجمهوريون الأميركيون مؤتمريهما، ورسا المزاد على أوباما وماكين، بات الأفق السياسي الأميركي واضحا بالنسبة للحالة الفلسطينية. فلقد اختلف المرشحان على رزمة من القضايا الأميركية الداخلية والدولية، لكنهما اتفقا على الموضوع الفلسطيني، فالاثنان متفقان على ضمان أمن إسرائيل وتفوقها العسكري (والاقتصادي بالضرورة) في المنطقة، وعلى «حقها» (المزعوم) في الاحتفاظ بالقدس المحتلة، ورفض عودة اللاجئين، والاحتفاظ بالكتل الاستيطانية (أي ضم أجزاء واسعة من أراضي الضفة)، وعلى «حقها» (المزعوم) في الدفاع عن نفسها (أي مواصلة العدوان على الفلسطينين) وبالتالي من كان سيفرح لمغادرة بوش الابن البيت الأبيض، وإلى جانبه رايس لا يستطيع أن يفرح كثيرا مع قدوم البديل، لأن المرشحين لم يأخذا الحقوق الفلسطينية المشروعة بعين الاعتبار، ولأن المؤشرات تدل على أن كلا منهما سوف يساند الجانب الإسرائيلي في المفاوضات. هذه استراتيجية أميركية ثابتة، من السذاجة بمكان تجاهلها. وبالتالي بات على المفاوض الفلسطيني أن يبحث لنفسه عن عوامل قوة ذاتية إضافية يواجه بها استحقاق الانتخابات الأميركية القادمة، دون مراهنة (خاسرة) على دور ما للولايات المتحدة «معتدل» أو «محايد» أو «أقل انحيازا للإسرائيليين». لقد بات واضحا أن الولايات المتحدة اعتمدت (استراتيجيا) الموقف التفاوضي الإسرائيلي الذي أطلقه شارون، وبنى على أساسه حزب كاديما، وجاء من بعده أولمرت وليفني للعمل على تنفيذه.
  • الاستحقاق الثالث، هو استحقاق فلسطيني كامل، يتعلق بالحوار الوطني الشامل، الذي بدأ بلقاءات ثنائية مصرية ـ فلسطينية، ودون إطالة، يبدو (من الآن) أن نقاط التقاطع، بين فتح وحماس، قليلة جدا، بل تكاد تكون منعدمة، إلا إذا صدقنا التصريحات الصحفية حول الرغبة في الوصول إلى توافق وعودة عن الانقسام. اللافت في الحوار الجاري الآن في القاهرة، ليس فقط حجم التباينات بين حماس، وبين مواقف معظم الأطراف الفلسطينية، (وهو أمر يشكل في حد ذاته معضلة تحتاج إلى جهود جبارة لمعالجتها) بل وكذلك الحديث أنه وبعد الانتهاء من الحوارات الثنائية، من المتوقع أن ينتقل الحوار الشامل إلى أحضان جامعة الدول العربية، والجامعة، هنا، لا يتم تلخيصها بالأمانة العامة، بل تعني فيما تعنيه، التوافق العربي على حل المعضلة الفلسطينية. ولعلها المرة الأولى، منذ توقيع اتفاق أوسلو، التي تقف فيها القضية الفلسطينية تنتظر تدخلا عربيا لإخراج نظامها السياسي من أزمته. وهذا يعني أن المشاورات في الحوار الشامل، لن تستعيد المشاهد ذاتها كما جرت في حوار القاهرة في آذار (مارس) 2005، حين ولد الاتفاق على يد مشاورات بين فتح، وحماس و«الديمقراطية»، والجهاد، وبرعاية مباشرة من الجانب المصري. هذه المرة، إذا ما انتقل الحوار إلى أحضان الجامعة العربية فمعنى ذلك أن التوافق الفلسطيني قد يحتاج (!) إلى توافق عربي، أو أن التوافق العربي نفسه قد يضغط على الفلسطينيين ليتجاوزوا خلافاتهم، وليتواقفوا على أسس مشتركة، أهمها وثيقة الوفاق الوطني. هنا، يفترض أن يدرس الفلسطينيون جيدا الحالة العربية، وأن يتبينوا فيما إذا كانت الحالة العربية جاهزة للتوافق بين أطرافها الرئيسية بحيث تشكل عاملا مساعدا لصالح الموضوع الفلسطيني. أما إذا كان الأمر عكس ذلك فمعناه أن الحالة الفلسطينية تكون قد أدخلت نفسها مرحلة العجز عن حل مشاكلها بنفسها، وأنها باتت مضطرة، وعند كل منعطف للاستعانة بـ «الدعم» العربي، وهو ما يحول الموضوع الفلسطيني إلى موضوع إقليمي، له انعكاساته على البرنامج الوطني الفلسطيني نفسه. فأيهما أفضل للفلسطينيين: أن يجدوا الطريق إلى التوافق بأنفسهم، كأطراف بلغت الرشد السياسي، وباتت تملك من الحكمة ما يكفي، أم أن يتوغلوا في خلافاتهم أكثر فأكثر، ليفقدوا القدرة على التحرك والفعل دون اسناد عربي، فتنقسم الحالة الفلسطينية على نفسها، بانقسام الحالة العربية، وإذا ما استعادت الحالة العربية وحدتها، وفقا لمصالح اقليمية خاصة بهذه العاصمة أو تلك، توجب على الفلسطينيين أن يستعيدوا «وحدتهم» لكن، هذه المرة، ليس ضمن مقاييس وعلى أسس فلسطينية، بل ضمن مقاييس وعلى أسس إقليمية، ما من ضمان أنها كلها ستخدم البرنامج الوطني الفلسطيني. إذن، الفلسطينيون أمام خيارين، وعليهم أن يكونوا واضحين في خيارهم.
  • وربطا بما سبق، يقف الفلسطينيون أمام استحقاق 9/1/2009. ففي الوقت الذي يقول فيه رجال القانون إن ولاية الرئيس عباس، تنتهي مع انتهاء ولاية المجلس التشريعي، عملا بالمادة 111 من قانون الانتخابات التشريعية، الصادر في آب (أغسطس) 2005، وهو القانون نفسه الذي على أساسه جرت الانتخابات التشريعية الأخيرة وتشكل بموجبها المجلس التشريعي الحالي.. تقول حركة حماس إن ولاية أبو مازن، واستنادا إلى القانون الأساسي للسلطة تنتهي في 9/1/2009، علما أن حماس نفسها لا تعترف بالقانون الأساسي، وكان هذا موضوعا رئيسيا من مواضيع الخلاف مع الكتل البرلمانية في مشاورات تشكيل حكومة حماس الأولى (الحكومة العاشرة). وبناء عليه تحضر حماس نفسها لتعلن في 9/1/2009 أن صلاحيات رئيس السلطة انتقلت إلى رئيس المجلس التشريعي عبد العزيز الدويك، وينوب عنه أحمد بحر. أي أن الحالة الفلسطينية مقبلة على استحقاق، من شأنه، إذا لم يتم الالتزام بقوانين السلطة ومراجعها الرسمية، أن يعمق الأزمة. لذلك أبدى الكثيرون اهتماما بالحوار الجاري، لتتفادى الحالة الفلسطينية تدهورا جديدا في علاقاتها الداخلية، سيضاعف من الأثر السلبي للاستحقاقين الأميركي والإسرائيلي، على مجمل الحالة الفلسطينية وعلى العملية التفاوضية.

لذلك نختم بالقول إن جولة الحوار القادمة، تختلف عن سابقاتها، بتعقيداتها، واستحقاقاتها السياسية. وهو ما يوجب توفر إرادة (نعم إرادة) حقيقية للخروج من الأزمة. وإلا، فإن التاريخ لن يرحم من سيغلق الطريق إلى الخلاص الوطني.

المصدر

المركز الفلسطيني للتوثيق والمعلومات