هل غَرَبت شَمْسُ الحَياء؟
بقلم: الشيخ نزيه مطرجي
إن لكلّ دين خُلقاً، وخُلق الإسلام الحَياء. فالحياء من الإيمان، والبَذاء من العصيان, وكفى بالحياء فضلاً أن يكون للخير دليلاً، وكفى بالبَذاء قُبحاً أن يكون إلى الشرّ سبيلاً.
إن الله تعالى إذا أراد أن يُهلك عبداً نَزع منه الحياء، فإذا نزع منه الحياء لم تُلْفِهِ إلا مَقيتاً مُمَقَّتاً (أي بَغيضاً مَذموماً)، فإذا لم تُلْفِه إلا مَقيتاً مُمقَّتاً نُزعت منه الأمانة، فإذا نُزعت منه الأمانة لم تُلْفِه إلا خائناً مُخَوَّناً... كما ورد في الحديث.
ومن الدليل على أصالة الحياء وكماله أن جذوره تضرب في أعماق تاريخ البشرية، بدءاً من النبوّة الأولى، مروراً بعهود الرُّسل والأنبياء، إلى زمن خير القرون وما بعده، ولا يزال يحتلّ صدارة الخِصال الفاضلة، ويتربّع على عرش الأخلاق الكريمة.
وقد أشار النبي الكريم صلى الله عليه وسلم إلى هذا الميراث العظيم بقوله: «إن مما أدرك الناسَ من كلام النُّبوَّة الأُولى: إذا لم تَسْتَحِ فاصنعْ ما شِئْت» أخرجه البخاري.
إن المرء إذا تجرّد من الحياء صار مُؤهَّلاً لارتكاب كل مُنكر وشَرّ، وكلّ ظُلم وبَغْي، وتجرّأ على مخالفة الآداب، وهَتْك الحُرمات.
إن الحياء من أقوى البواعث على الاتصاف بكل حسن، والابتعاد على كل قبيح، وهو جُنَّة كَفيلة بحماية المؤمن من أن تُطارده الميول الفاسدة، وأن تستبدّ به الأهواء العاصفة.
والحياء بهذا المعنى هو الذي عَناه رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله: «استَحْيُوا من الله حقَّ الحياء»، قالوا يا رسول الله إنا نَسْتحيي والحمد لله! قال: «ليس ذلك، ولكن الاستحياء من الله حقَّ الحياء: أن تحفظ الرأس وما وَعى، وتحفظ البطن وما حَوى، وتذكُرَ المَوت والبِلى، ومن أراد الآخرة ترك زينة الدنيا، فمن فعل ذلك فقد استحيا من الله حقّ الحياء!».
فهذه إذاً حقيقة الحياء، وليست ذلك الحَرج الذي يشعر به المرء في لحظة عصيبة، ولا ذلك الانكسار وتلوّن الوجه خوفاً مما يُذَمّ على فعله أو قوله، ولكن الحياء يتمثّل في ثلاث نواح: الأولى حفظ الحواسّ التي في الرأس من السمع والبصر واللسان من أن تأتي مُنكراً أو تفعل ما تُلامُ عليه، والثاني حفظ البطن من الشَّراهة في تناول الطعام والشراب، ومن أكل ما حرّمه الله، وحفظه باجتناب الفاحشة وما يقود إليها. والثالث ترك زينة الدنيا التي نهى الله عنها الرجال أو النساء.
إن هذا هو حياء الأنبياء الذي هو من كيمياء النفس وطبعها.
مرَّ النبي صلى الله عليه وسلم ذات يوم على رجل من الأنصار وهو يعظ أخاه في الحياء ويشتدّ عليه كأنه يقول له: إن الحياء قد أَضَرَّ بِكَ! فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «دَعْه فإن الحياء من الإيمان» متفق عليه.
والحياء من أخلاق الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، فقد كان أشدَّ حياءً من العَذراء في خِدرها! فإذا رأى شيئاً يكرهه عرفوه في وجهه.
وكان كبار قادتنا وولاتنا يتحلّون بفضيلة الحياء، فقد ورد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يوماً: «أَرحمُ أمتي بأمتي أبو بكر، وأشدُّهم في دين الله عمر، وأشدُّهم حياءً عثمان بن عفان» أخرجه أهل السنن.
والحياء من صفات الله سبحانه، فقد ورد في الحديث: «إن الله حَيِيٌّ كريم، يَسْتحيي إذا رفع الرجل إليه يديه أن يردَّهما صِفراً خائبتين» أخرجه أحمد.
ولا يخفى على اللّبيب أن الحياء والخجل لا يستويان، فالحياء مَحْمَدَة، والخجل مَنْقَصَة، وقد حدَّثت السيدة عائشة عن نساء الأنصار فقالت: «نِعْمَ النساء نساءُ الأنصار، لم يمنعْهنَّ الحياء أن يتفقَّهن في الدين» أخرجه البخاري.
واليوم أين نجد هذا الخُلق النبويّ المضيَّع؟ هل غربت شمسه؟ أم أَفَل نجمه؟ أم ذهب ضوؤه؟ إذا كان لخلُق الحياء هذا المقام الأسمى في مكارم الأخلاق، فقد وجب أن يتحلّى به كل فرد من العلماء والدعاة والمصلحين، ولكن الواقع يُنْبئكم أن كثيراً من هؤلاء الخاصة ما هم من هذه الفضيلة بقريب!
فليس من فضيلة الحياء صَفاقَة الوجه، وسَماجَة النفس، والاجتراء على النطق بفاحش الكلام وارتكاب الآثام, وليس منها الوقوفُ على أبواب المذلَّة، والتنازل عن العِزَّة, وليس منها كذلك المجاهرة بفعل السيّئات، والفجور في الخُصومات..
فلا غِناءَ لكم عن التخلُّق بسجيّة الحياء بشُعَبه الثلاث: الحياء من الله والحياء من الناس والحياء من النفس، وإلا أظلمت الفضائل والآداب، وتوارت شمسها بالحجاب، والشاعر يقول:
ولا الدنيا إذا ذهب الحياءُ
يعيش المرءُ ما استحيا بخير
ويبقى العود ما بقي اللِّحاءُ
المصدر
- مقال:هل غَرَبت شَمْسُ الحَياء؟موقع: الجماعة الإسلامية فى لبنان